يبدو أن الانتخابات الرئاسية لعام 2019 بدأت في وقت مبكر جداً في الجزائر، ومن الواضح أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وخصومه يدركون جيداً أن معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة لن تحسم في ذلك العام بل قبله بكثير، ويسعى بوتفليقة لتمهيد الأمور لمن سيخلفه والذي سيظهر قبل مغادرته السلطة بسنة أو سنتين ويكون قادراً على كسب إجماع كل النخب السياسية، وكل التكهنات بدأت ترسي على الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحيى لخلافة بوتفليقة، حيث أعاده إلى الواجهة برئاسة الحزب بعد تنحيته خلال الانتخابات الأخيرة بسبب طموحه الزائد في الرئاسة، فيما ساهم الرئيس في تنحية أشد الرافضين لعودة أويحيى وهو الأمين العام للحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) عمار سعداني الذي استغل من قبل بعض الأجنحة في محاولة خلط أوراق بوتفليقة بقصفه الثقيل رئيس جهاز المخابرات الأسبق الجنرال توفيق (محمد مدين) والأمين العام السابق عبدالعزيز بلخادم واتهامهما بكونهما عملاء لفرنسا.

ظرف قاهر

الأمر المؤكد الوحيد في الجزائر هو أن بوتفليقة لن يغادر السلطة إلا تحت ظرف قاهر، لكنه في المقابل حريص على إزالة كل الأشواك أمام الرئيس المقبل، رغم أن الأمين العام الجديد لحزب الأغلبية جمال ولد عباس لمّح إلى أن الحزب يؤيد ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة، وهو مستبعد، لكن تصريحاته توحي بأن الحزب بالقيادة الجديدة لا يخالف أي قرار للرئيس وأنه سيكون مخلصاً لكل توجهات بوتفليقة في إيصال أويحيى إلى سدة الحكم على اعتبار أن الأمين العام المقال أو المستقيل عمار سعداني كان ضد أويحيى، حيث كان حريصاً في أكثر من مناسبة على قطع الطريق على غريمه أويحيى في الحلم بالرئاسة، حيث يحرص على تحضير رئيس الشرطة الجزائرية اللواء عبد الغني الهامل للترشح للرئاسة على اعتبار أن هذا الأخير يلقى إجماعاً كبيراً من المؤسسة العسكرية التي تم تحييدها من أجنحة في السلطة.

كان لابد من بوتفليقة - كونه الرئيس الشرفي لحزب جبهة التحرير «أفلان» - اتخاذ إجراءات تعيد للحزب وحدته وحتى صورته التي يريدها الأعضاء الذين انزعجوا كثيراً من خطابات سعداني منذ توليه منصب الأمانة العامة، على اعتبار أن سعداني من «الأفلان» كان يستعمل «الغطرسة» السياسية من خلال عدم استشارة أحد عندما يتكلم في المسائل الجوهرية ما أدى إلى غضب الرئيس، حيث بات مقتنعاً بأن سعداني يشتغل لصالح أجنحة تعمل على تسريع خلافته التي تنتهي ولايته العام 2019، لكن سعداني أراد التمويه من خلال تأكيده خلال استقالته أوصيكم بالجزائر ثم بالحزب ثم ببوتفليقة أي أن الرجل لا يزال على ولائه وبيعته للرئيس.

ولم يكن متوقعاً أن يتخلى سعداني بسهولة عن منصبه، إلا أن تصريحاته المثيرة للجدل والتي وصلت حدّ اتهام بلخادم وتوفيق بالخيانة دفعت على الأرجح بوتفليقة لإقالته فيما ظهر خروجه في وسائل الإعلام الرسمية على أنه استقالة.

وما يجري من تصريحات وتصريحات مضادة في النظام آخرها كانت الإقالة التي تم إخراجها ببراعة لسعداني، جاءت لتذكر في هذا الشأن مصادر جزائرية، بأن التغييرات المستمرة في الطاقم الحكومي، لا تزال بعيدة عن طموحات الفاعلين في محيط الرئيس.

تصريحات نارية

هناك فريق آخر ربط استقالة سعداني بتصريحاته الأخيرة ضد بلخادم والجنرال توفيق التي وصلت حد اتهام عائلته بعدم المشاركة في الثورة التحريرية، والعمل لصالح فرنسا، والتي أحدثت زلزالاً سياسياً، بلغ حد تقديم اعتذارات من طرف بعض كبار المسؤولين في الدولة، كما أفادت بذلك بعض المصادر الإعلامية، التي نقلت أخباراً تؤكد أن بوتفليقة ورئيس الوزراء عبد المالك سلال عبرا عن رفضهما لتصريحات سعداني في حق سلفه على رأس الحزب والجنرال توفيق.

وكشفت مصادر أن الجنرال توفيق قال لمقربيه إنه لن يقف مكتوف الأيدي، مقابل هذا السيل من الاتهامات الموصوفة بـ«الخطيرة»، مشيرة أنه سيتحرك في الأيام المقبلة صوب العدالة من أجل رفع دعوى قضائية ضد سعداني بسبب الاتهامات التي أطلقها ضد شخصه، لكن أوساطاً في السلطة قامت بتهدئته وتأكيد أنه سيتم إقالته من الحزب الحاكم جراء تصريحاته غير المسؤولة.