مع بدء العد العكسي لانعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الاثنين المقبل، لا تزال ترتسم في الأفق، على رغم الأجواء الإيجابية، تساؤلات وعلامات استفهام حول ما ستؤول إليه مواقف داخلية وخارجية تبدي اعتراضاً، في الشكل حيناً، وفي المضمون أحياناً، على التسوية المعقودة بين رئيس الوزراء الأسبق، وزعيم تيار المستقبل سعد الحريري ورئيس تكتل الإصلاح والتغيير النائب ميشال عون.

وإذ دخلت الدولة اللبنانية مرحلة توديع عهد الفراغ، والانتقال إلى عهد الرئيس المنتخب ميشال عون، فإن العونيين يبدون أكثر المتحمسين، وتفاصيل ما بعد الانتخاب باتت شبه منجزة لديهم، بدءاً من خطاب القسم إلى تقبل التهاني، في حين أكدت جهات سياسية فاعلة ومؤثرة في الاستحقاق لـ«البيان» أن انعقاد جلسة الانتخاب في موعدها سيكون مؤشراً على وجود «قوى خارقة» تحصن هذا الاستحقاق، وبهذا سيُسجل للحريري أنه أحسن في أداء دوره في ضوء المعطيات التي شجعته على إطلاق مبادرته.

أما القوى السياسية الأخرى، فتبني حساباتها لما بعد صدور النتائج، كما تدور بينها معركة صامتة بشأن طبيعة جلسة الانتخاب، وما إذا كانت ستُعتبر دورة أولى (أي أن انتخاب رئيس يحتاج إلى حصول المرشح على ثلثَي أعضاء مجلس النواب) أو دورة ثانية (الانتخاب يحتاج إلى النصف زائداً واحداً لا غير)، على اعتبار أن الجلسة الأولى لانتخاب الرئيس عام 2014 شهدت دورة أولى.

ومع انطلاق ورشة إنهاء الشغور الرئاسي في كل اتجاه، مع موعد الجلسة 46 لانتخاب الرئيس الثالث عشر للجمهورية، سواء ورشة التحضيرات في قصر بعبدا لاستقبال النائب ميشال عون، أو في مجلس النواب استعداداً لجلسة الانتخاب الاثنين، فإن بيروت ستشهد ورشة حركة موفدين دبلوماسيين للوقوف على حقيقة ما جرى، لا سيما من العواصم المعنية دولياً وإقليمياً.

واستناداً إلى مصادر متابعة، أصبح واضحاً أن هناك ضوءاً أخضر خارجياً للانتخاب الرئاسي اللبناني. وينتظر أن تشهد بيروت، خلال الساعات القليلة المقبلة، تحركات لموفدين من السعودية وإيران وفرنسا، مع مواكبة السفارتين الأميركية والروسية.

وسط تلك الأجواء، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري من جنيف: «نحن على بعد خطوات، إن شاء الله، من انتخاب رئيس للجمهورية في 31 الشهر الجاري»، وأعرب عن أمله في أن تتحقق هذه الخطوة، لأن لبنان بحاجة ماسة إليها، من دون الدخول في الحساسيات التي عودتنا دائماً أن تؤخر أمورنا، لدرجة أننا أصبحنا منذ أكثر من سنتين ونصف السنة من دون رئيس للجمهورية.

وفيما يُنتظر أن تتركز الاهتمامات والمشاورات على معالجة مواقف المعترضين، مرشحين أو كتل سياسية، على أمل أن تنتهي بفوز الرئيس بأكثرية مرموقة، فإن موعد الجلسة 46 لانتخاب رئيس الجمهورية، والتي بات في حكم المؤكد أنها لن تكون قابلة للتأجيل، أقله في ضوء كل المعطيات السياسية الراهنة.

والمعطيات نفسها تجعل انتخاب النائب عون أمراً محسوماً، في ظل توافر الأكثرية النيابية لانتخابه. علماً أن كل جلسة انتخابية تستلزم نصاب الثلثين، كما تستلزم عقد دورتين في حال عدم نيل أي مرشح أكثرية الثلثين في الدورة الأولى.

جنبلاط و«الطريق الأخضر»

إلى ذلك، علمت «البيان» أن النائب وليد جنبلاط يتجه إلى حسم أموره بالتصويت لعون، وهو تلقى نصائح بعدم توزيع أصوات كتلته النيابية بين عون وفرنجية، وأن جهده سينصب على وضع السيناريو المناسب لإخراج القرار على مرحلتين، الأولى تبدأ بسحب ترشيح النائب هنري حلو، والثانية دعم عون، وأن القرار النهائي منوط بمحطتين أساسيتين: الأولى ترتبط بزيارة عون لجنبلاط، وبعدها التشاور مع بري، ولذلك بات مرجحاً أن يصدر هذا القرار خلال اليومين المقبلين.

وكان جنبلاط نشر، عبر حسابه على «تويتر»، صورة لطريق برية غير معبدة وعلى جوانبها أشجار خضراء، وعلق قائلاً: «الطريق الأخضر إلى (قصر) بعبدا».

فرنجية

وباستثناء النائب سليمان فرنجية، فإن غالبية القوى السياسية باتت تتصرف كما لو أن النائب عون انتُخِب رئيساً للجمهورية، وأن موعد تسلمه مهامه 31 الجاري. وكان الحديث التلفزيوني الذي أدلى به فرنجية مؤخراً، رسم إطاراً شديد الحدة لمعركة التنافس، التي أكد مضيه فيها في مواجهة عون.

وأعلن فرنجية أنه لن ينسحب من السباق الرئاسي وسينزل إلى مجلس النواب، واضعاً احتمالي الخسارة والربح، و«سنتقبل النتيجة أياً كانت». واعتبر أن «حظوظ العماد عون أقوى للوصول إلى رئاسة الجمهورية، بوجود الورقة البيضاء، لكن إذا تحولت هذه الأوراق البيضاء إلى رصيدي، سترتفع حظوظي»، موضحاً «قد لا أسمي الحريري لرئاسة الحكومة، إذا طلب مني بري هذا الأمر».

معركة

ستشهد ساحة النجمة في وسط بيروت الاثنين معركة انتخابية لم تشهدها منذ إقرار اتفاق الطائف.

ففي زمن الوصاية السورية، كان اسم الرئيس يأتي معلباً من الخارج. وفي زمن ما بعد انتهاء الوصاية، جاء اسم العماد ميشال سليمان انطلاقاً من اتفاق رسِمت كل تفاصيله في تسوية الدوحة.

أما اليوم، فالمعركة الرئاسية مستمرة بين عون وفرنجية، وإن من دون تكافؤ كبير، لأن معارضي عون أقلية أولاً، ولأنهم ثانياً لم يتوصلوا حتى الآن إلى توحيد أصواتهم التي ستتوزع بين اسم فرنجية وبين الأوراق البيضاء.