القرار الأخير الذي اتخذته منظمة "يونسكو" الأممية بشأن عدم وجود علاقة بين يهود مدينة القدس ومقدّساتها، لم يكن الأول الذي يرفض منطق الاحتلال والتهويد.

ولا هو نبت من فراغ أو على سبيل المجاملة، إذ إن العادة جرت أن تلجأ المنظمات الدولية، بضغط من دول نافذة، لمجاملة إسرائيل، في الكثير من القضايا، بل إن الولايات المتحدة الدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، استخدمت حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن عشرات المرات لإحباط قرارات تدين إسرائيل تجاه الفلسطينيين. إذن، قرار (يونسكو)ليس مقطوع الجذور.

وثمة العديد من القرارات الدولية التي تؤكد بمجملها أن المدينة محتلة وأن ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي من حفريات ومحاولات لتأكيد خرافة الارتباط اليهودي بها، لن يغير الواقع التاريخي للمدينة، وأن سياسة الأمر الواقع لن تشرعن ما هو غير شرعي.

هناك العديد من القرارات التي صدرت في هذا السياق عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ودوائرها المختصة، وعن مجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأوروبي ومنظمة دول عدم الانحياز، والدول منفردة وثنائية ومتعددة اللقاءات.

لا تهويل

رغم كل ما ذكر، ينبغي النظر لقرار "يونسكو" على نحو واقعي لا يهوّل ولا يلغي الفائدة والجدوى. فالقرار مهم لناحية تأكيد الحق الفلسطيني الإسلامي في القدس، ولناحية توجيه ضربة قوية للرواية الإسرائيلية المضلّلة والمعتمدة على منطق الاحتلال والقوة ودعم دول نافذة، وشرعنة الأمر الواقع ووضع القانون الإسرائيلي الاحتلال فوق وقائع التاريخ وفوق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

القرار كذلك يصادق على المشروعية الأخلاقية والسياسية للنضال الفلسطيني لأجل القدس وعلى أرضها، وكل ما يقوم به الفلسطينيون دفاعاً عن المقدّسات في المدينة، وعلى رأسها الحرم القدسي الشريف وكنيسة القيامة، الأمر الذي يطعن في كل ذرائع الاحتلال المستخدمة للتغطية على جرائم قتل الفلسطينيين المدافعين عن مدينتهم وعاصمتهم المستقبلية.

الوجه الآخر للقراءة الواقعية لقرار (يونسكو) ينبغي أن يأخذ بالاعتبار أن القرار غير ملزم، أي أنه بلا أنياب وبلا قابلية لإجراء تغيير في واقع المدينة الرازحة تحت الاحتلال وإجراءات التهويد المحمومة.

ولا بد من التأكيد أن قرارات السلطة التنفيذية للأمم المتحدة، ممثّلة بمجلس الأمن، اتخذت العديد من القرارات لصالح فلسطين وتحديداً القدس، بقيت في الأدراج ولم يتحوّل أي منها إلى قرار قابل للتنفيذ، ذلك أن القرار النظري حين يصار لتحويله إلى قرار عملي يصطدم بالفيتو الأميركي، إلا إذا تعلّق الأمر بدول لا تروق لأميركا التي تعتبرها لهذا السبب مارقة وأطرافاً في «محور شر».

قرارات سابقة

ولن يكون مصير قرار (يونسكو) الأخير أفضل حالاً من عشرات القرارات الأخرى التي ظلّت حبيسة أدراج المنظمات الدولية ووزارات خارجية الدول، فيما تواصل إسرائيل سياساتها وإجراءاتها التهويدية في سباق مع الزمن، في سياق منهج مدروس يرمي إلى إخراج القدس من أية معادلة حل، أي بمعنى ضمّها إلى شقيقاتها في الأراضي المحتلة عام 1948، مثل يافا وحيفا وعكا وصفد وغيرها.

أما الاستفادة من قرار (يونسكو) وما يمكن بناؤه عليه، فذلك مشروط بالأداء الفلسطيني والعربي والإسلامي الذي يمكن له أن يتعامل موحّداً مع هذه القضية باعتبارها جزءاً من القضية الفلسطينية، بحيث يستخدم ما يملكه من أوراق ضغط على الدول التي لا تشعر بأنها تدفع ثمن دفاعها عن إسرائيل وجرائمها.

لكن هذه الإمكانية تبقى نظرية وافتراضية في ظل الواقع الانقسامي والفتنوي الذي يمر به الفلسطينيون وسائر العرب، والمسلمون.