على طريق رملي في شمال شرق سوريا، تنتظر امرأة مع أطفالها الأربعة بالقرب من لافتة خضراء جديدة كتب عليها جولدارا، وهو الاسم الكردي الذي استعادته القرية أخيراً، بعدما كانت تعرف منذ عقود بقرية شجرة.

في الجهة المقابلة، يعمل الرجل السبعيني عبدالرحمن حواس حمو في فناء منزله، على إصلاح شاحنة بيضاء قديمة الطراز. ويشرح بالكردية أنّ جولدارا التي تعني بالعربية برية تكسوها الأشجار، كان اسم القرية قبل أن تعربه الحكومة السورية في العام 1962 ويتحول إلى شجرة.

وتعد هذه القرية التي تحتفظ بمنازلها الطينية المتواضعة وتضم قلة من السكان، واحدة من عشرات القرى والبلدات التي تعمل الإدارة الذاتية الكردية في محافظة الحسكة منذ أشهر على إعادة أسمائها الكردية إليها تدريجياً بعد تعريبها منذ أكثر من أربعة عقود.

وباتت الإدارة الذاتية المرجعية التي تتولى تسيير شؤون الناس وإدارة المؤسسات والخدمات، واتخذت سلسلة إجراءات، أبرزها إدخال اللغة الكردية إلى المناهج الدراسية.

وعلى غرار جولدارا، استعادت قرية تل أحمر في ريف القامشلي قبل أسابيع، اسمها باللغة الكردية، وهو كرسور. ويقول المزارع الستيني شيخموس رشو بالكردية: «قريتنا تاريخية وموجودة منذ مئتي عام، لكنهم غيروا أسماء القرى الكردية إلى العربية ليقولوا مستقبلاً إنّها قرى عربية، ولإبعادنا عن قوميتنا الكردية ومنع لغتنا».

استعادة لا تغيير

في الطابق الثاني من مبنى هيئة البلديات في القامشلي، يوضح الرئيس المشترك لهيئة البلديات في مقاطعة الجزيرة جوزيف لحدو، أنّ «ما يجري ليس تغييراً لأسماء المدن والقرى وإنما إعادة أسمائها الطبيعية التاريخية إلى سجلات الإدارة الذاتية، رغم بقائها معربة في سجلات الدولة»، موضحاً أنّ «نسبة تعريب أسماء المناطق الكردية كانت أكثر من سبعين في المئة».

وتهدف العملية التي تتولاها لجنة تجول على المناطق وتلتقي المجالس الشعبية وكبار السن وفق لحدو، إلى الحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية للمناطق الكردية.

بدء تعامل

وبعد استعادة الاسم الكردي تبدأ الإدارة الذاتية وفق لحدو، التعامل به في سجلاتها ومراسلاتها، وفي الخرائط مرفقة بالاسم العربي بين قوسين لتعريف السكان به.

في مدينة عامودا، تمكن فريق وكالة الصحافة الفرنسية من الدخول إلى مبنى السجل المدني، المؤسسة الحكومية الوحيدة التي لا تزال تعمل في المدينة، إذ عاين السجلات الرسمية التي تظهر أسماء المناطق بالعربية. ووفق موظّف في السجل رفض الكشف عن هويته: «حتى أسماء المواليد كانت تحتاج موافقات أمنية ويتم تعريبها».

500 اسم

ويوضح الباحث الكردي زوهراب قادو في مكتبه بمدينة القامشلي، حيث تتكدس عشرات الكتب والموسوعات، أنّه تمّ تعريب أسماء أكثر من 500 قرية في منطقة الجزيرة من العام 1978 حتى 1998، وبينها مدينتا كوباني «عين العرب» وآفرين «عفرين».

ويلفت إلى أنّ مدينة ديريك مثلاً تحول اسمها إلى المالكية في العام 1957، تخليداً لذكرى عدنان المالكي أحد مؤسسي الجيش السوري، ما يعني أنّ تلك الإجراءات لم تكن بريئة وموضوع التعريب كان مخططاً له.

ووفق قادو عملت الحكومة السورية بين 1974 و1975 على توزيع أراض في القرى الكردية على عرب قادمين من الرقة يعرفون بـ«المغمورين» بهدف إضفاء الطابع العربي على المناطق ذات الغالبية الكردية. ويطلق الأكراد تسمية المغمورين على أفراد العشائر العربية الذين جاؤوا من الرقة إلى الحسكة، بعدما فاض نهر الفرات على أراضيهم الزراعية.

تطبيق إجراءات

في قرية هيمو، حيث يقيم سكان أكراد وعرب، يقول أحمد العبدولي: «جئت مع عائلتي من الرقة في فترة السبعينات وتغير اسم القرية حينها إلى هنادي، قبل أن تستعيد اليوم اسمها السابق هيمو».

وبعد البدء بتعريب أسماء المناطق، اتخذت بلدية مدينة عامودا في الحسكة قراراً بتغيير أسماء الشوارع والمحال إلى الكردية ولغة أخرى، إما العربية وإما السريانية. وسارع السكان إلى تطبيق هذه الإجراءات وبينهم عدنان هوشي الذي يقول في ثقة وفخر: «هذا نصر أن نكتب أسماء محالنا باللغة الكردية».

إضاءة

بدأت عملية التعريب بعد إجراء السلطات السورية إحصاءً استثنائياً في محافظة الحسكة في العام 1962، تمّ على إثره تجريد آلاف الأكراد من الجنسية السورية. ولم يكن في إمكان الأكراد تعلم لغتهم في المناهج الرسمية، أو إحياء تقاليدهم مثل احتفالات عيد النوروز.