تستعد تونس لاستقبال شتاء يخشى المراقبون من أن يكون ساخناً سياسياً واجتماعياً، في ظل تأزم الوضع الاقتصادي والمالي، الذي دفع بالحكومة إلى الإعلان عن حزمة قرارات، تتعلق برفع الأسعار والضرائب وتجميد الزيادات المعلنة في الأجور لمدة عامين، إلى جانب استمرار ظاهرة البطالة وعجز الدولة عن توفير وظائف لأصحاب الشهادات العليا..
وغياب التنمية في المناطق الداخلية، مع بروز بوادر باعث جديد للتوتر، وهو تقليص مصاريف الصحة والضمان الاجتماعي، إضافة إلى إمكانية تسريح آلاف العمال، وإيقاف الاستثمار في التنمية والبنية التحتية. وفي هذا السياق ينظم ائتلاف الجبهة الشعبية اليسارية غداً السبت، أول حراك احتجاجي، منذ تسلم حكومة يوسف الشاهد مهامها أواخر أغسطس الماضي.
وأوضح المجلس المركزي للجبهة أن الوقفة الاحتجاجية التي ستجري في قلب العاصمة هي رفض لسياسات التقشف ولإملاءات صندوق النقد الدولي، محذراً من أن الإجراءات الجبائية والتدابير المالية، التي نص عليها مشروع قانون المالية لسنة 2017، من شأنها أن تثقل كاهل الأُجَراء والفئات الاجتماعية المتوسطة بزيادات جديدة في الضرائب على الدخل ومواد الاستهلاك والخدمات.
وأضاف المجلس أن «هذه الإجراءات تدل على أن الائتلاف الحاكم ماض قدماً في اتجاه تكريس سياسة تقشفية، وفق إملاءات صندوق النقد الدولي والتزامات رسالة النوايا الموجهة إليه من الحكومة السابقة»، ورأى بيان المجلس أن هذه الإجراءات تخلو من قرارات جدية لجمع الضرائب من أصحاب الثروات الكبرى المتهربين من الجباية، والمستفيدين من منظومة الفساد.
ومن تدابير ناجعة لمقاومة التهريب، والمعالجة العميقة لظاهرة التجارة الموازية، التي أرهقت القطاع المنظم ودمرت قدرته التنافسية. كما أكدت الجبهة الشعبية أن بوادر تصدع الائتلاف الحاكم بدأت تتضح، من خلال مناقشة مشروع القانون المتعلق بأحكام استثنائية للتسريع في إنجاز المشاريع الكبرى.
مشيرة الى أن كتلتها البرلمانية تنبهت للثغرات الموجودة في المشروع والمتعلقة بالصلاحيات الموسعة الممنوحة لوحدة منح الرخص، والتي تبين أنها «تترك الباب واسعاً للمحاباة والفساد وحالت دون مروره في صيغته المقترحة من الحكومة».
رفع الأسعار
في الأثناء، قالت وزيرة المالية التونسية لمياء الزريبي إن الحكومة تعتزم زيادة الضرائب ورفع أسعار الكهرباء في 2017، ضمن خطط لخفض عجز الميزانية، كما ستزيد ضريبة القيمة المضافة. إلى ذلك، تشير مصادر حكومية إلى أن الرفع في الأسعار سيشمل الماء والغاز والمواد الأساسية.
بينما ترتفع أسعار المواد المستوردة آلياً نتيجة تراجع سعر العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية. وكان رئيس الحكومة يوسف الشاهد تعهد سابقاً بتدشين إصلاحات اقتصادية يطالب بها المقرضون الدوليون لسد العجز المتنامي في موازنة الدولة.
مشدداً على أنه يتعين على جميع التونسيين أن يتقاسموا التضحيات، لإنقاذ اقتصاد تونس المتعثر منذ إطاحة النظام السابق في يناير 2011، إلا أن معارضيه طالبوا بتحديد هوية المدعوين للتضحية وإذا كان يقصد بهم العمال والطبقات الفقيرة في ظل تآكل الطبقات المتوسطة.
ويمر الاقتصاد التونسي بمرحلة صعبة، إذ أشارت آخر البيانات الإحصائية إلى أن نسبة النمو خلال الربع الثاني من العام الحالي بلغت 1.4 في المئة، وأن الحكومة تحتاج حتى نهاية العام إلى تمويلات إضافية تتجاوز قيمتها نحو 2.2 مليار دينار(نحو 995 مليون دولار) لتمويل العجـز في موازنـة الدولة للعام الجاري المقدرة بنحو 29 مليار دينار، (أي ما يعادل 15 مليار دولار). بالمقابل.
أكد وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي التونسي محمد فاضل عبدالكافي أن بلاده يمكنها الخروج من الأزمة الاقتصادية في غضون السنتين أو الثلاث سنوات المقبلة بشرط المحافظة على الاستقرار السياسي والأمني، واستعادة قيمة العمل مع الوعي بضرورة التقليص من عجز المالية العمومية، مشيراً إلى أن الاقتصاد التونسي يعاني من خلل على مستوى الاقتصاد الكلي، وذلك بسبب تفاقم عجز المالية العمومية.
مناخ غير مشجع
في حين تسعى الحكومة إلى حلحلة جزء من الأزمة باستقطاب الاستثمارات الخارجية، من خلال تنظيمها الندوة الدولة للاستثمار يومي 29 و30 نوفمبر المقبل. أكدت رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وداد بوشماوي أن المناخ الموجود في تونس لا يُشجع على الاستثمار خاصة بالنظر إلى أنه وإلى اليوم لا يزال هناك رجال أعمال ممنوعين من السفر وأملاكهم مصادرة وأموالهم مُجمدة.
وقالت بوشماوي إن الاتهامات المتواصلة بالسرقة والفساد لأصحاب المؤسسات لا تُشجع على بعث مشاريع وخلق مؤسسات. ولفتت إلى أن تونس تعيش أزمة أخلاقية وصلت إلى التشكيك في كل نجاح يتم تحقيقه.