على طرفي نقيض يبدو الشارع في السودان حول الحوار الوطني الذي بُشّر به حلاً دائماً لأوجاع البلاد المزمنة.. يرى السياسيون ممن ارتضوا الدخول فيه فرصة ذهبية لا تقل عن إنجاز الاستقلال شيئاً، ولا يرى فيه المواطن سوى حبر على ورق ومحاولة من الحزب الحاكم لإطالة عمره وسيطرته على مفاصل الدولة إلى حين «لا إشعار».
يترقب المشهد السوداني اليوم إسدال الستار على عام كامل من تفاوض ماراثوني جمع شمل سياسيي البلاد.. مثقفيه ومفكريه وقادة الرأي فيه، إلّا أنّ وجود متمردي الحركة الشعبية - قطاع الشمال الذين يقاتلون الحكومة في كردفان والنيل الأزرق، وحزب الأمّة القومي أحد قطبي السياسة السودانية عبر التاريخ خارج سرب المتحاورين يضع علامات استفهام حيال مستقبل تطبيق المقرّرات.
ويبدي رئيس حزب الحقيقة الفيدرالي فضل السيد عيسى في تصريحات لـ«البيان» تفاؤلاً بوثيقة الحوار المنتظرة وتوصياته غير المسبوقة على حد قوله، مشيراً إلى أنّ المتحاورين تمكّنوا من تجاوز التوتّر والاختلاف في قضايا مثّلت الأزمة منذ استقلال البلاد وحتى الآن.
ولفت عيسى إلى أنّ الإرادة الوطنية واستشعار المسؤولية مكنتنا من تجاوز المحنة بما قاد السفينة إلى بر الأمان.
تفاؤل
ولا يخرج المنشق عن الحركة الشعبية قطاع الشمال بريمة بلبوط من فلك التفاؤل بالحوار، موضحاً أنّ من شأن تطبيق البنود على أرض الواقع إرساء دعائم دولة حقيقية متينة بناء ما أسست له من دستور دائم.
وعلى الرغم من إيمانه بأنّ مشروع السودان الجديد الذي تتبناه الحركة الشعبية التي انشق عنها، إلّا أنّه يرى أنّ بين مكوّناتها قطاع اثني، مبيّناً أنّ ضمانات تنفيذ مخرجات الحوار تتمثّل في تشكيل حكومة الوفاق الوطني من القوى المشاركة.
بدوره، يشير رئيس حركة تحرير السودان «القيادة العامة» المنشقة عن متمردي دارفور، إلى أنّ القضايا التي حارب من أجلها تمت معالجتها في المؤتمر انتظاراً لتنفيذ التوصيات التي من شأن تطبيقها بسط الأمن والاستقرار وتحقيق المصالحة.
نضج
وتصف الناشطة في مجال حقوق الإنسان تراجي مصطفى، أنّ فكرة الحوار الوطني تمثّل نضجاً سياسياً من الحزب الحاكم ومن ثمّ للأحزاب التي قبلت المشاركة، موضحة أنّ المؤتمر الوطني الحاكم ارتضى طريق الديمقراطية وسيلة لحكم البلاد وتداول السلطة.
وتطالب تراجي بالكف عن تضخيم قطاع الشمال في الحركة الشعبية الذي يخشى العزلة السياسية ويحتفي بالكلمات التي تنال من خصومه.
على الضفّة الأخرى يلوح في الأفق شارعٌ منقسم بين التجاهل وعدم التعويل، فلا يرى الكثيرون في مؤتمر الحوار سوى محاولة من الحكومة لكسب الوقت بهدف إطالة عمرها وتجميل وجهها الملطّخ بأزمات السياسة والاقتصاد، وتخدير الشعب بوعود جديدة لن تختلف عن سابقاتها التي لم يجن منها شيئاً، فالحوار منقوص والقوى التي تشارك فيه والأسماء التي يضمها لا وزن لها على حد وصفهم.