لم يعد المشهد الليبي كما كان عليه قبل 11 سبتمبر 2016، وإنّما تغير بشكل كامل بعد أن سيطرت قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر على منطقة الهلال النفطي التي كانت منذ الإطاحة بالنظام السابق في أكتوبر 2011 محل تجاذب بين أطراف مختلفة جهوية وقبلية وميليشياوية وحزبية، ومثار اهتمام إقليمي ودولي بسبب موقعها الجوهري في واقع الصراع القائم في البلاد.
وكذلك بسبب أهميتها كمركز أساس للثروة النفطية وللصناعات المرتبطة بها على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، وعلى مرمى حجر من القارة الأوروبية التي تعتبر أكبر مستورد للنفط في العالم. قبل ساعات من حلول عيد الأضحى، كان «البرق الخاطف» يلمع من حول موانئ النفط الليبية، حيث سيطرت قوات من الجيش الوطني على مرافئ:
الزويتينة والسدرة والبريقة وراس لانوف دون خسائر في الأرواح أو العتاد. وبحسب مراقبين، فإن العملية التي بدت للبعض مفاجئة، تم التخطيط لها جيداً على امتداد ثلاثة شهور من خلال التنسيق التام بين القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية وأعيان قبيلة المغاربة التي تبسط نفوذها الاجتماعي على الإقليم الذي تقع فيه منطقة الهلال النفطي.
، وينتمي إليها أغلب عناصر جهاز حرس المنشآت النفطية التي كانت تحت إمرة شخصية مثيرة للجدل وهي شخصية إبراهيم الجضران، حيث وجهت إليهم تعميماً بضرورة الانضمام إلى الشرعية والوقوف إلى جانب الجيش في دفاعه عن مصدر قوت الليبيين.
انحياز
ويشير المراقبون إلىأن قبيلة المغاربة التي كانت توفر غطاءً اجتماعياً للجضران وجدت نفسها في موقف حرج بعد ثبوت تحالفه مع ما يسمى بسرايا الدفاع عن بنغازي التي يتزعمها القيادي في تنظيم القاعدة زياد بلعم في الهجوم على مناطق خاضعة لسيطرة الجيش جنوب وشرق مدينة أجدابيا في شهر يوليو الماضي.
وكذلك في انحيازه إلى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ودخوله في مفاوضات معها ومع المبعوث الأممي مارتن كوبلر تحول من خلالها إلى نقطة فصل تتمركز في المنطقة الوسطى لتفصل بين الشرق والغرب بما يهدد بتقسيم ليبيا. وفي أغسطس الماضي، أكد زعيم قبيلة المغاربة صالح الأطيوش موقف قبيلته المناقض لموقف الجضران.
حيث قال: «نحن مع الجيش الليبي، ومع البرلمان برئاسة المستشار عقيلة صالح، والحكومة المنبثقة عنه، ونحن في برقة، لا نعترف بالمجلس الرئاسي إلى أن يتم اعتماده تحت قبة البرلمان». مطالباً عائلات القبيلة بسحب أبنائها من جهاز حرس المنشآت النفطية (فرع المنطقة الوسطى) بقيادة الجضران.
وبحسب مصادر من داخل المؤسسة العسكرية الليبية، فإن قرار تنفيذ عملية «البرق الخاطف» لم يتخذ بصفة نهائية إلا بعد ضمان التوافق مع قيادات قبيلة المغاربة وزعيمها والحصول منها على الضوء الأخضر خشية الدخول في صراع قبلي قد يزيد من تأزم الوضع في المنطقة.
عملية جراحية خاطفة
وأكد القائد العام للجيش والقوات المسلحة خليفة حفتر أن الجيش«مسؤول عن الحفاظ على ليبيا وحماية شعبها وصون مقدراته، وهو ما نقوم به منذ سنتين نخوض حرباً شرسة في مواجهة الجماعات المسلحة وحققنا نتائج كبيرة ..
ومن هنا أيضاً كان تحركنا بدافع وطني في المقام الأول لتحرير موانئ الهلال النفطي في الزويتينة ورأس لانوف والبريقة والسدرة، من سيطرة العناصر المسلحة»، واصفاً عملية «البرق الخاطف» بـ«الجراحية» التي كان لا بد منها لوقف نزيف الخسائر التي تكبدتها ليبيا خلال السنوات الأخيرة .
والتي وصلت إلى مليارات الدولارات جرّاء عدم الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها، مشيراً إلى أن إنتاج البلاد من النفط تراجع بشكل كبير جداً خلال العامين الماضيين ما جعل ليبيا تعجز عن الوفاء بالتزاماتها .
ومن جانبه، قال الناطق باسم القيادة العامة للجيش الليبي العقيد أحمد المسماري إن القوات الليبية سيطرت على أهم مورد للاقتصاد في وقت وصفه بـ«الحساس» بالتزامن مع مشكلات اقتصادية، مشيراً إلى أن القوات حققت إنجازاً في غضون ساعات قليلة في «معركة بيضاء» لم تسفر عن أي خسائربفضل خبرة القوات.
انتصار
وأردف المسماري أن عملية «البرق الخاطف» انتصار لكل الليبيين وليس لمنطقة أو قبيلة، مشدداً على أن القوات سيطرت على منطقة الهلال النفطي بداية من ميناء الزويتينة وحتى منطقة السدرة في عملية «دقيقة جداً» استعملت فيها السرية التامة والمباغتة.
وأوضح أن العملية تمت بمشاركة غرفة عمليات القوات الجوية وعمليات أجدابيا وسرت والجنوب بالإضافة إلى جهاز حرس المنشآت النفطية الذي كان جزءاً رئيسياً من السيطرة على 450 كيلومتراً.
وبعد ساعات من سيطرة الجيش الليبي على المرافئ والمنشآت النفطية، أصدر المستشار عقيلة صالح بصفته القائد الأعلى للجيش تعليماته بتسليم موانئ الهلال النفطي للمؤسسة الوطنية للنفط على أن يتولى حمايتها حرس المنشآت النفطية التابع لمجلس النواب بقيادة العقيد مفتاح حسن المقريف الذي أعلن منذ أبريل الماضي آمراً لجهاز حرس المنشآت النفطية بالمنطقة الوسطى بديلاً لإبراهيم الجضران.
مواقف دولية متضاربة
وكشفت عملية تحرير الموانئ والمنشآت في منطقة الهلال النفطي الليبي مرة أخرى عن فشل قوى دولية وعواصم غربية عن فهم طبيعة الصراع الدائر في ليبيا، وعن التكهن بمجريات الأحداث، حيث سارعت الولايات المتحدة وخمسة من حلفائها الأوروبيين إلى إدانة العملية.
وأكد حفتر أن تخوفات الدول الغربية بعد سيطرة الجيش على الهلال النفطي في غير محلها، وقال إنه يتفهم التخوفات الغربية، مضيفاً أنه تم توجيه دعوة للمؤسسة الوطنية للنفط لاستلام تلك المنشآت والبدء في استغلال وتصدير النفط. كما شدد رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح على أن ما قامت به القوات المسلحة الليبية جاء بناءً على تفويض من المؤسسات الرسمية ومن كل أطياف الشعب الليبي.
ترحيب داخلي
وأثارت انتصارات الجيش في منطقة الهلال النفطي حالة من التفاؤل في أغلب المناطق الليبية، جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، وخرجت عشرات المسيرات المرحبة بهذا الحدث تحت شعار موحد هو: «ندعم سيادتنا»، وأصدرت قبائل برقة (المنطقة الشرقية) بياناً نددت فيه بـ«دعوات بعض الدول الغربية للجيش الوطني بالانسحاب من الهلال النفطي بعد تحريره من ميليشيات متطرفة كانت تتاجر به وتهيمن عليه».
وجاء في البيان أنه «إذا كان المجتمع الدولي حريص على استقرار الاقتصاد العالمي دون ابتزاز ، فإن هذا مكفول وقد تم الإعلان عنه والتقيد به»، معتبراً أن موقف الدول الغربية «تدخل سافر في شؤون الوطن الداخلية، وإشارة واضحة إلى وجود نوايا مبيتة كانت وما زالت وراء أزمة بلادنا.
كما أصدرت الهيئة الوطنية لمشايخ وأعيان ليبيا في إقليم فزان (المنطقة الجنوبية) بياناً أكدت فيه دعمها الكامل للشرعية ممثلة في مجلس النواب والأجهزة التابعة لها وللقوات المسلحة الليبية داعية إياها إلى عدم التخلي عن انتصاراتها.
عامل توحد
واعتبرت غرفة عمليات طرابلس التابعة للجيش الليبي ما حققته القوات المسلحة في منطقة الهلال النفطي عيداً لليبيين، ودعت إلى أن يكون هذا الانتصار «عامل توحد لليبيين، والبدء في مسيرة التنمية».
وعرفت العاصمة الليبية حالة من الأخذ والرد في مواجهة التحول الكبير الذي أحدثه الجيش بتحريرها منطقة الهلال النفطي، إذ اعتبر رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج أن بلاده في «منعطف حاسم»، بعد الهجوم على الموانئ النفطية وأن مستقبل البلاد كأمة موحدة أصبح في خطر.
وأثارت بيانات لبعض أعضاء المجلس الرئاسي حول عملية الجيش في منطقة الهلال النفطي، ردود فعل واسعة حتى داخل المجلس الرئاسي نفسه، حيث صدر في البدء بيان باسم المجلس دعا القوات الموالية لحكومة الوفاق إلى التقدم نحو الموانئ النفطية واستعادتها من قبضة الجيش، فيما وعد بيان آخر نسب للرئاسي بمعاقبة المسؤولين عن العملية، واصفاً إياهم بـ«المعتدين».
وبحسب مراقبين، فإن موقف المجلس الرئاسي عرف هدوءاً واضحاً بعد زيارة أداها السراج إلى القاهرة، وكذلك بعد فشله في الحصول على موقف غربي أكثر عداءً للجيش الوطني، وعلى موقف من مجلس الأمن يتيح التدخل ضد القوات المسلحة في الهلال النفطي في ظل تشدد كل من روسيا والصين الرافضتين لأي تدخل عسكري خارجي جديد في الشأن الليبي.
كما أن الوضع اتخذ بعداً آخر بعد زيارة المبعوث الأممي مارتن كوبلر إلى مصراتة لتعبئة ميليشياتها والدفع بها نحو مواجهة الجيش الليبي في الهلال النفطي وهو ما قوبل بالرفض من قبل القيادات العسكرية في المدينة.
ترقية
بعد نجاح الجيش الليبي في بسط نفوذ شرعية الدولة على منطقة الهلال النفطي، قرر رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح ترقية القائد العام للجيش خليفة حفتر من رتبة فريق أول إلى مشير. وطلب صالح من حفتر ترقية ضباط وضباط صف القوات المسلحة العربية الليبية تقديراً للدور البطولي الذي تؤديه قوات الجيش بكل شجاعة واقتدار لمكافحة الإرهاب على كامل التراب الليبي وصون وحماية مقدرات الشعب.
لمشاهدة الجراف بالحجم الطبيعي .. اضغط هنا
