تتفنّن قيادة الاحتلال في منافسة الجمعيات الصهيونية في خلق مختلف الأساليب والطرق لتهجير سكان مدينة القدس من منازلهم والاستيلاء عليها، عبر خوض صراع طويل معهم على حقوق الملكية من خلال الابتزاز.
وتمكنت جمعية «عطيرات كوهانيم» من اختراق حي مقدسي يعاني سكانه أوضاعاً اقتصادية صعبة، والكثير منهم يخوض صراعاً منذ عقود مع جمعيات استيطانية تنازعهم حقوق الملكية على عقاراتهم.
واستولى المستوطنون على جزء من بناية ضخمة في البلدة القديمة من القدس المحتلة، وتتخذ من البناية مقراً يقيم فيها عراب الاستيطان اليهودي بالبلدية القديمة ماتي دان، وهو الذراع التنفيذي لعدد من الأثرياء اليهود المقيمين في الولايات المتحدة وكندا وعدد من الدول الأوروبية.
وقاد دان محاولات عدة للسيطرة على عقارات القدس بسياستي الترهيب والترغيب، وفي مرات كثيرة بمحاولات الابتزاز والإيقاع بقاطني تلك العقارات من المقدسيين الغارقين في الديون، ليبدأ بعد ذلك مساومتهم بشطب الديون مقابل التخلي عن العقار والتنازل عن القضايا المرفوعة في المحاكم.
ويقدم عراب الاستيطان مغريات عدة للسكان، تبدأ من السفر للخارج وتسهيل الهجرة إلى الولايات المتحدة أو كندا لبدء حياة أخرى هناك بدلاً من حياة البؤس والشقاء والفقر التي يعيشونها في القدس، وفي الحارات العتيقة التي تعاني الإهمال من قبل بلدية الاحتلال.
وتلقت حملة دان ضربة قوية في انتفاضة الأقصى الثانية في العام 2000، والتي أبطأت إلى حد كبير مخطّط التوسع الاستيطاني في القدس، تحديداً في محيط المسجد الأقصى، لكنها عادت لتنطلق بقوة وبوتيرة عالية من دون توقف في ذروة الانتفاضة، والتي يقول الكثير من المقدسيين بأنها جلبت عليهم كوارث الاستيطان والتهويد لمدينتهم.
وسيطرت جمعيتا «عطيرات كوهانيم» و«ألعاد» على أكثر من 80 عقاراً في البلدة القديمة منذ انطلاقتهما، لاسيّما في محيط المسجد الأقصى، مستخدمتين أساليب الترغيب والإغراء المالي ومساعدة بعض ضعيفي النفوس على الهجرة والرحيل خارج الوطن.
ويرى الخبير في شؤون العقارات والاستيطان في البلدة القديمة هايل صندوقة أنّ بعض السكان تورطوا في بيع عقارات كانوا يقيمون فيها واشتروا بدلاً منها منازل في أحياء القدس الشمالية، واختار البعض الآخر العيش في مدن داخل مدن الاحتلال بعيداً عن أنظار المواطنين، فيما اختار آخرون الهجرة والرحيل بعد أن استوفوا شروط البيع والتسريب للجمعيات الاستيطانية، وفقدوا حق إقامتهم في القدس.
وشكّلت حكايات الكثير من السكان قصص صمود في مواجهة الإغراءات التي عرضت عليهم للهجرة والتفريط في عقاراتهم، لعل أبرزها مع المواطن وليد الزربا الذي لا يزال يخوض منذ أكثر من ثلاثة عقود صراعاً قضائياً أثقل كاهله مادياً إذ راكم عليه الديون للضريبة والبلدية والتأمين إلّا أنّه ظلّ صامداً، فيما رفضت المسنة رفيقة السلامية التفريط في مسكنها وعاشت وماتت على المبدأ، إلّا أنّه تمّ الاستيلاء على العقار بعد وفاتها.
وتساعد المحاكم الإسرائيلية الجمعيات التي تلجأ إليها لدفع المقدسيين للتخلي عن عقاراتهم، وبعد فشلهم يقدمون إغراءات وعروضاً بتمويل هجرتهم خارج الوطن.