صمت روسي وازدواجية أميركية.. بانتظار الثمن

تركيا في سوريا.. من التدخّل إلى الدخول

ت + ت - الحجم الطبيعي

سواء توقف القتال بين الجيش التركي والقوات الكردية في شمال سوريا أو لم يتوقّف، مع خروج الجيش التركي أو بقائه، يبقى ضوء التساؤلات مسلّطاً على الموقف الأميركي من دخول الجيش التركي للأرض السورية.

إذ إنه موقف يتأرجح في تقييمه بين فريق من المحللين يراه ملتبساً وآخر يراه واضحاً لجهة اعتماد واشنطن سياسة براغماتية تندرج دائماً في إطار «اللعبة»، مع ضرورة عدم تجاهل حقيقة أن تركيا كانت منذ البداية تتدخّل في الأزمة السورية، فيما الجديد هو الانتقال من التدخّل إلى الدّخول.

قبل الخوض في تحليل الموقف الأميركي، ثمّة تساؤل: ماذا بشأن روسيا التي تُجمع الأطراف جميعاً على أنها اللاعب الأساس الممسك بالملف السوري؟، حيث إن الآخرين يلعبون الدور الثاني.

هناك من يطرح فرضية فحواها أن تركيا لم تكن لتجرؤ على إدخال طائراتها ودباباتها لأجواء سوريا وترابها، من دون موافقة موسكو، أو علمها المسبق، ويعتقد أن المصالحة التي لم يجف حبرها بعد ستجعل موسكو تغض الطرف عن العملية التركية في شمال سوريا.

لكن ثمة من يمكنه أن يذهب أبعد من ذلك، واعتبار العملية تمت بتوافق بين تركيا وروسيا، الأولى بهدف التأثير في خريطة الشمال السوري بعيداً عن الفدرلة الكردية، والثانية لإضعاف جبهة حلب لصالح الجيش السوري، إذ إن كثيراً من المقاتلين الأكراد سيغادرون هذه الجبهة ليتوجّهوا شمالاً، وهذا حصل.

ويمكن أن يضاف إلى ذلك، احتمال أن تكون موسكو حصلت على تعهّدات من تركيا بإغلاق حدودها مع سوريا في وجه مسلّحين يصعب تصوّر انضمامهم ساحة القتال في سوريا هبوطاً بالمظلات. ويبدو أن من الصعب تصوّر أي موافقة روسية، ولو ضمنية، على الخطوة التركية، من دون تلقي ثمن ميداني وسياسي بالنسبة لملف مصيري بالنسبة للروس.

حيرة

موقف واشنطن يدعو لكثير من الحيرة، ذلك أن الطرفين المتحاربين، التركي والكردي، حليفان لها، وإذا كانت تركيا عضواً في حلف الشمال الأطلسي «الناتو» فإن القوات الكردية تتلقى الدعم والغطاء الجوي من الولايات المتحدة.

كيف يمكن إذن تفسير الموقف الأميركي الموافق أو الصامت على التوغّل التركي في شمال سوريا؟، خاصة أن وقائع الأيام الأولى لهذا التوغّل أظهرت أن «داعش» ليس ضمن حسابات هذا التوغّل الأساسية وربما الفرعية، لا بل إن الانسحاب السريع لمقاتلي التنظيم من مدينة جرابلس، وبلا أي قتال، يثير الكثير من الأسئلة والفرضيات عن «تواطؤ» محتمل يجعل من الأكراد هدفاً وحيداً للعملية التركية.

واعتبر خبراء عسكريون أن صمت واشنطن تجاه تدخل تركيا في شمال سوريا يعكس ازدواجية ما بين دعمها للأكراد في الشمال السوري والحليف الأطلسي تركيا، وأن أنقرة ارتأت وفقًا لظروف داخلية وإقليمية ودولية تراها ضرورة ملحة لحفظ حدودها التركية السورية، مستعينةً بخطة من عنصرين هما: إنشاء منطقة آمنة على الحدود التركية السورية لعدم عبور الأكراد الى غرب نهر الفرات، وانتزاع منبج من أيدي القوى الكردية.

لكن من المنطقي الافتراض أنه إذا كان العنصر الأول يتطلب موافقة موسكو، وهذا مستبعد، فإن العنصر الثاني رهن بموافقة واشنطن راعية مجموعات «سوريا الديمقراطية» ذات العمود الفقري الكردي.

توقيت

مهما يكن من أمر، فإن التوقيت التركي للعملية، وفي ظل ما نشر من تقارير غربية تقول إن التدخّل التركي العسكري كان سيحصل قبل عامين لولا رفض أميركا في حينه، يؤشّر إلى متغيّر واضح يتمثّل بالمصالحة التركية الروسية.

نعود للفرضية الأولى، فسواء استمر القتال لمدة أطول أو توقّف، وسواء انسحبت القوات التركية الآن أو غداً، فإن الرسائل التركية وصلت لمن يهمّه الأمر، أما الثمن الذي ستدفعه أنقرة سيسدّد على نافذة «الكاونتر» السوري، ربما باتجاه المساهمة التركية في حل الأزمة وبهذا تستكمل استدارتها.

طباعة Email