الأيام الأخيرة حبلى بالتطورات في المشهد السوري، على جبهة القوتين الفاعلتين في هذا الملف، روسيا والولايات المتحدة.

ليس أدل على المنحى النوعي لتصاعد هذا الصراع الذي بات دولياً بامتياز، من الزيارة المفاجئة وغير المعلن عنها سابقاً التي قام بها وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى سوريا ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد.

هذه الزيارة ليست عادية ولا يمكن المرور عليها كخبر عابر، بل إن لها دلالات مرتبطة بالمسار التراكمي العام للصراع السوري، كما أن لها دلالات مستقبلية ربما تظهر في القريب، ذلك أن زيارة يقوم بها دبلوماسي تختلف تماماً عن زيارة أعلى مسؤول عسكري في دولة بحجم روسيا، فكيف إذا كانت هذه الزيارة الأولى لأرفع مسؤول عسكري روسي إلى سوريا منذ بدء الحرب فيها وعليها قبل خمس سنوات؟

الحليف التاريخي

منذ بدء الصراع السوري قبل خمس سنوات، كان الضوء دائماً مسلطاً على مواقف روسيا، باعتبارها الحليف التاريخي لدمشق، وكثيراً ما كان محللون يسقطون رغباتهم على تحليلاتهم، فيلتقطون كل إشارة شاردة أو واردة من مسؤول روسي، ليتوقّع تخلي موسكو عن النظام في سوريا، ويستشهدون بما حصل سابقاً مع النظام العراقي وبعده النظام الليبي.

وغاب عن أذهان هؤلاء أن العراق حين تعرض للحرب الأميركية الأولى كان الاتحاد السوفييتي يحتضر، في حين أن ليبيا كانت تربطها علاقة جيدة مع روسيا، لكن لم ترتق تلك العلاقة إلى مستوى التحالف، كما أن المكانة الجيوسياسية لليبيا أقل كثيراً من تلك التي تتمتع بها سوريا في الحسابات الروسية.

ولا ينبغي أن ننسى أن المسؤولين الروس كثيراً ما يستخدمون ليبيا كمثال على الخداع يقعوا في «الفخ» مرة أخرى.

الفيتو 3 مرات

ينبغي لكل مراقب للموقف الروسي من الأزمة السورية أن يتوقّف ملياً عند استخدام موسكو حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن ثلاث مرات ضد مشروعات قرارات كانت ترمي لتدويل النزاع السوري أو إيجاد مدخل لتدخّل عسكري، على غرار ليبيا. فلقد كان للاستخدام المزدوج للفيتو (مع الصين) أبعاد تتجاوز المناكفة السياسية الآنية أو العابرة، وترتقي إلى مستوى الحسابات الاستراتيجية، حسابات تأخذ بالاعتبار أن سوريا هي الحليف الأوثق لموسكو في الشرق الأوسط، وهي منفذها الوحيد على المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسّط، الأمر الذي تجلى منذ عقود بوجود القاعدة العسكرية في مدينة طرطوس الساحلية.

أسبوع حافل

وبالعودة إلى زيارة شويغو، نلاحظ أنها جاءت بعد أسبوع أميركي حافل بالمواقف التصعيدية، بدءاً من تحذير وزير الخارجية جون كيري لموسكو من أن «للصبر الأميركي حدود» تجاه بشار الأسد، وليس انتهاء، على ما يبدو، بالمذكرة الداخلية التي وقعها 51 دبلوماسياً في الخارجية الأميركية، والتي تطالب بتوجيه ضربات عسكرية للجيش السوري.

صحيح أن الخارجية أصدرت بياناً فيه من التراجع أكثر مما فيه من التوضيح لتصريحات كيري، لكن في العمل الدبلوماسي يتبخّر التصريح الذي ينفي، وتبقى رسائله.

ليس واضحاً إن كانت هناك علاقة بين الزيارة والاتفاق التنسيقي المعلن مع واشنطن، لكن من الواضح أن الرسالة الروسية جاءت أقوى بكثير من الرسائل الأميركية، إذ إن وزير الدفاع الروسي جاء بنفسه إلى دمشق، ومرتدياً بزّته العسكرية.