مع استمرار الشغور الرئاسي، وتواصل الخلافات الحكومية حول الملفات السياسية والمعيشية والحياتية، والمراوحة في مناقشات اللجان النيابية المشتركة لإعداد قانون الانتخاب الجديد، لا يزال المشهد السياسي الداخلي محافظاً على تعقيداته، حيث تتراكم الملفات بشكل فوضوي في ظلّ صعوبة تحريك أيّ منها.
وفيما يواصل الوضع السياسي انحداره تحت نقطة الصفر، أعادت اللجان النيابية ملف قانون الانتخابات النيابية إلى الرئيس نبيه برّي، في إجراء ليس روتينياً، ليضعه على جدول أعمال طاولة الحوار التي تنعقد في 21 من الجاري، وسط الخشية من أن «تتحطّم» هذه الطاولة تحت حمل الملفّات الصعبة والكبيرة التي تُرحّل إليها..
فإن ملف انتخابات الرئاسة لا يزال عالقاً بين العجز الداخلي والفيتوات الخارجية. في المقابل، ثمّة رهان مشترك على معادلات إقليميّة ستفرض إيقاعها على التسويات اللبنانية المؤجّلة.
الحريري: «سأفتح الدفاتر»
وفي الوقت السياسي الضائع، أطلق الرئيس سعد الحريري جملة مواقف في أول إفطار رمضاني أقامه هذا الشهر، مساء أول من أمس، فأشار الى تمسّك تيار «المستقبل» بالاعتدال..
وباتفاق الطائف الذي هو «واحد من عدّة مفاصل إستراتيجية وقفت فيها المملكة العربية السعودية مع لبنان، لأجل مشروع الدولة في لبنان»، مؤكداً أن ما من شيء يمكنه أن يعكّر العلاقة بين تياره وبين المملكة العربية السعودية. كما أعلن أنّه سيفتح خلال شهر رمضان العديد من الدفاتر ويتحدّث بما يمليه عليه ضميره.
وكان الحريري العائد من أداء مناسك العمرة قد دافع عن حقبة الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، خصوصاً لجهة تصديه لمحاولات تشويه الدين الإسلامي، مشدّداً على المضيّ في ممارسة فعل الاعتدال والتصدّي للفتنة «بكل ما أوتينا من قوّة»..
وقال: «لكننا لن نسكت بالمقابل على أخطاءٍ ترتكبها بعض الأجهزة، وحملات التجني التي تشنّها بعض الجهات السياسية والإعلامية على الشباب المسلم بذريعة مكافحة التطرّف والإرهاب».
العقوبات الأميركية
وبقدر ما أنهت مواقف الرئيس سعد الحريري فترة اختلطت فيها مواقف تأدّت عن الانتخابات البلدية الأخيرة، وشكّلت بلبلة كادت أن تضع حقائق مكان حقائق، وأن تشوّش أذهان الرأي العام في مرحلة بالغة التعقيد والحساسيّة يمرّ فيها لبنان، بين غموض رئاسي متمادٍ ومحاولات بريئة أو غير بريئة لتصديع الحكومة..
ومخاوف أمنية لم تنفع معها التطمينات الأميركية لعدم تعريض الوضع الأمني للاهتزاز، انكسرت الجرّة بين حزب الله وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، على خلفية العقوبات المالية الأميركية على الحزب. وكان سلامة أعلن عن سحب حسابات مئة شخصية وهيئة إنفاذاً للعقوبات الأميركية، فردّت كتلة الوفاء للمقاومة «بأن العقوبات تتعارض وسيادة لبنان».
ورفْض نواب حزب الله لما أعلنه حاكم المصرف المركزي، بحسب قول مصادر مصرفيّة عليمة لـ«البيان»، شكّل الخبر الأبرز، خصوصاً وأنه متصل بالأوضاع الاقتصادية والسياسية والنقدية في البلاد. وأشارت المصادر نفسها الى أن هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان قرّرت عدم إقفال حسابات نواب حزب الله، لجهة عدم تجميد حسابات التوطين الخاصة بهم، وذلك لعدم وجود مبرّرات واضحة وصريحة.
قانون الانتخاب
والشغور الرئاسي لا يزال ينسحب تعطيلاً للمؤسّسات الدستورية، وهذا ما تبدّى واضحاً في مناقشات اللجان النيابية المشتركة وبترحيل البحث في قانون الانتخابات من تأجيل الى آخر، وهو مرشّح للاستمرار مع بقاء الخلافات السياسية المستحكمة.
وفي غياب وحدة المعيار في مقاربة مسألتَي تقسيم الدوائر وتوزيع المقاعد بين الأكثري والنسبي، تبعاً لما يلائم هذا الفريق أو ذاك، جمّدت اللجان النيابية المشتركة البحث في قانون الانتخاب المطروح عليها إلى ما بعد طاولة الحوار التي ستنعقد في 21 من الجاري، بعدما سُدّت السبل أمام التوصّل إلى صيغة نهائية بشأن اقتراح القانون الرامي إلى تعديل قانون الانتخاب باعتماد صيغة النظام المختلط بين الأكثري والنسبي.
وما زاد الموقف تعقيداً، بحسب مصادر معنية، أن معظم الأطراف باتت تقارب قانون الانتخاب في ضوء المؤشرات العريضة للانتخابات البلدية التي جرت بين 8 و29 من شهر مايو الفائت، على الرغم من محاولة الإيحاء بأن لا رابط بين الاستحقاقين، وبأن ما يسري على البلدية لا ينطبق على النيابيّة.
وأشارت مصادر نيابية بارزة لـ«البيان» الى أن حقّ الفيتو الذي تتمتّع به القوى السياسية انتهى إلى تجميد عمل اللجان وانتظار جرعة دعم من هيئة الحوار، على أن تعود اللجان النيابية إلى الاجتماع في 22 من الجاري، في حين نقل زوّار الرئيس نبيه برّي عنه قوله إنّ اللجان النيابية لم تصل إلى أيّ نتيجة بعد..
وبالتالي فإنّ قانون الانتخاب سيُطرح على طاولة الحوار في 21 من الجاري حتى يتحمّل الجميع مسؤولياتهم.
تأييد
نقِل عن الرئيس نبيه برّي قوله: «كما أجرينا الانتخابات البلدية على رغم كلّ شيء، نستطيع إجراء الانتخابات النيابية»، لافتاً الانتباه الى أنه يؤيّد كلّ ما يؤدّي الى اعتماد النسبية التي «باتت تشكّل ضرورة وطنية وملحّة، تتجاوز الحسابات والمصالح الخاصة».