انفض مؤتمر حركة النهضة التونسية، ولا يزال الغبار الذي أثارته قراراتها، القاضية بفصل العمل الدعوي عن السياسي، عالقاً في الأجواء السياسية..

وعززت إعادة انتخاب زعيمها، الذي ظل متربعاً على سدة رئاستها أربعين عاماً متواصلة، لأربع سنوات إضافية، الشكوك في توجهاتها الجديدة، باعتبار أن رحاب الديمقراطية التي تبشر النهضة بعهد جديد منها، تقضي في أبجدياتها، تداولاً في القيادة، وأشار البقاء الطويل للقيادة، إلى أن القرارات التي اتخذتها، لا تعدو أن تكون تكتيكية، للتنصل من هزائم قوى الإسلام السياسي.

ويشير مراقبون، إلى أن حركة النهضة، تسعى إلى التخلص من العبء الأيديولوجي، بهدف ضمان الاندماج داخل المجتمع التونسي، وطمأنة خصومها السياسيين، وكذلك للتملص من وزر الهزائم التي منيت بها قوى الإسلام السياسي في المنطقة، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، التي ارتبطت بها الحركة منذ تأسيسها في سبعينيات القرن الماضي،

كما تحاول الحركة المتهمة بالمسؤولية السياسية، عن انتشار ظاهرة الإرهاب في تونس، وبتورطها في أعمال إرهابية خلال عهدي الرئيسين الأسبقين، الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي..

وبالتحالف مع الأحزاب الدينية والإخوانية المتورطة في العنف في المنطقة، تلميع صورتها بتبني خطاب سياسي مختلف، وهو ما يشكك فيه جانب كبير من الشارع التونسي، يرى أن الحركة تحاول أن تحقق بإجراءاتها التكتيكية، ما يخدم أهدافها الاستراتيجية التي لا يمكن أن تنفصل عن مشروع الإسلام السياسي في المنطقة.

إرث عقائدي

كما يرى المهتمون بالشأن السياسي التونسي، أن حركة النهضة لن تستطيع التملص بسهولة من إرثها العقائدي، ولا من مرجعياتها الفكرية، ولا من علاقاتها القوية مع رموز الإسلام السياسي في المنطقة، من أحزاب وحركات وجماعات ومنظمات ووسائل إعلام وشخوص..

وبالتالي، من التحالف الإقليمي الداعم للإخوان، كما أن قرارها بالفصل بين السياسي والدعوي، يعني أنها ستعمل على تأسيس مؤسسات موازية، تهتم بالجانب الديني تحت غطاء سياسي، وهو ما تفسره الكاتبة والباحثة الأكاديمية في شؤون الجماعات الإسلامية، نائلة السليني، بالسير نحو تحقيق الخطوة الثالثة من رسالة «التعاليم» لمؤسس جماعة الإخوان، حسن البنا..

حيث استعمل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، لفظ «فصل» الجانب الدعوي عن السياسي، ولفظ «التخصّص»، ولم يقل «التخلّي»، أي أنّ لحمامة النهضة اليوم جناحين: أحدهما جناح الدعوة، الذي سيتكفّل بتحقيق ما يمهّد الطريق لإنشاء «دولة الخلافة»، كما سيتكفّل بإحداث جمعيات ومنظّمات تعود إليه بالنظر، وتأخذ عنه البرامج التي تقتضيها كلّ مرحلة.

لا انفصال عن الإخوان

وبحسب المؤرخ والباحث الأكاديمي، عبد الجليل بوقرة، فإن الحديث عن الديمقراطية، تبنّته النهضة منذ أواخر التسعينيات، في حين أن الغنوشي لم ينفصل عن الحركة الإخوانية، وهو ما تبرزه الرسالة المنسوبة إليه، والتي تمّ ترويجها أخيراً، وتضمنت زعماً بانفصاله عن حركة الإخوان المسلمين، فكان رده أن لا علاقة له بهذه الرسالة، بمعنى أنه لم ينفصل عن الإخوان.

ويضيف بوقرة، أن الحديث عن الفصل بين الدعوي والسياسي، هو أمر شكلي، يعكس تأقلم حركة النهضة مع وضعها الجديد، كحزب مشارك في الحكم، حيث ستهتم الجمعيات المنبثقة عن الحركة، بالمسائل الدعوية، كالحلال والحرام وأحكام الشريعة، في حين تتفرّغ النهضة إلى المعارك السياسية الكبرى، كالانتخابات المحلّية والانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة.

ابتزاز

ويرى المحلل السياسي، منذر بالضيافي، مؤلف كتاب «النهضّة: الهروب من المعبد الإخواني»، الصادر أخيراً، أن الغنوشي لوّح بعدم الترشح لرئاسة الحركة، من أجل ابتزاز مخالفيه..

وجعلهم يذعنون لاستمرار هيمنته عليها، واختطاف القرار بيده وبأيدي من معه من مريدين أوفياء له كظله. فهو يريد الاستمرار في التفرد باختيار المكتب التنفيذي، ليكون هو دائماً الحاكم بأمره، دون الرجوع للمؤسسات، وكان له ما أراد، لأنه يمتلك «حنفية المال»، إضافة إلى أنه المخاطب «المعترف به» في الداخل والخارج.

رهان

تراهن حركة النهضة التونسية على ترشيح زعيمها للانتخابات الرئاسية المنتظر تنظيمها في عام 2019، وتم التنصيص في النظام الداخلي الجديد للحركة، على أن رئيسها هو المعني الأول والمباشر بالترشح للخطط الثلاث الكبرى في الدولة، وهي: رئاسة الدولة، ورئاسة الحكومة، ورئاسة مجلس نواب الشعب (البرلمان).

ويسمح القانون الداخلي الجديد لرئيس الحركة، بتزكية من يراه مناسباً لتعويضه في الترشح للمناصب الكبرى، وهو ما يعني أن الغنوشي في حالة عجزه عن توليها، سيختار الطرف الذي يطمئن إليه ليكون رئيساً للدولة أو الحكومة أو البرلمان.