أجمع المشاركون في ورشة العمل حول «تحوّل التقدير الاستراتيجي الأميركي للشرق الأوسط وانعكاساته على أمن الخليج» التي نظمها مركز الإمارات للسياسات أمس بفندق الجميرا أبراج الاتحاد في أبوظبي على حدوث تغير في النظرة الأميركية إلى أهدافها ومصالحها وانخراطها في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما اتضح جلياً في الآراء والمواقف التي عبر عنها الرئيس الأميركي باراك أوباما تجاه المنطقة بكل وضوح، مما يدفع دول المنطقة إلى إعادة تقييم الدور الأميركي.
وأكد المشاركون أن المنطقة تمر بلحظة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية ودول المنطقة، وأنه أضحى من المهم مقاربة التغيرات في الاستراتيجية الأميركية واستكشاف مساراتها المستقبلية، خاصة في ظل قرب انتهاء الإدارة الحالية وقدوم إدارة جديدة في نوفمبر المقبل.
وذكرت رئيسة مركز الإمارات للسياسات –د- ابتسام الكتبي ، أن على« دول الخليج ألا تتوقع أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية باتخاذ إجراءات وفقاً للأولويات الخليجية، مبينة أن هذه الأولويات لم تعد تشكل أولويات واهتمامات أو مصالح أميركية».
سد الفراغ

وقالت الكتبي إن دول الخليج العربية لازالت مقتنعة بأن تعميق الشراكة الأميركية ـ الخليجية يخدم مصالح واشنطن والخليج على حد سواء، مشيرة إلى أن استقرار الدول العربية والخليجية عرضة للخطر مع تراجع الدور القيادي للولايات المتحدة الأميركية، ما لم يتم سدّ الفراغ الاستراتيجي الذي نجم عن تحول التقدير الاستراتيجي الأميركي في المنطقة والعالم.
وأوضحت نه مع التحول في التقدير الاستراتيجي الأميركي طرأ إحساس وتقدير عام لدى دول عربية وخليجية تحديداً، خاصة السعودية، بتخلي الولايات المتحدة عنها.
وأضافت خلال جلسة «مستقبل أمن الخليج في ضوء التحوّل في التقدير الاستراتيجي»: أدى هذا الفراغ في المنطقة الناجم عن التحول الأميركي إلى
«ظهور وجهة نظر ترى أن الدبلوماسية الأميركية لا تكترث بأي مكاسب روسية في المنطقة، وعلى وجه الخصوص في الملف السوري، الذي سلمته واشنطن لموسكو واكتفت بالإطار التنسيقي معها في إدارة الأزمة السورية وإخراجها بشكل يتم التراضي بشأنه بين الدولتين الكبريين».
وتابعت «من المهم لأي مقاربة استشرافية لمستقبل أمن الخليج في ضوء التحول في التقدير الاستراتيجي الأميركي أن تتوقف عند عدد من الأطروحات هي أن اشتداد المواجهة مع إيران أو خفوتها سيعتمد على نتيجة حسم الأوضاع في اليمن وسوريا والعراق..
وعلى اتجاهات أسعار النفط التي تؤثر في الوضع الاقتصادي في إيران، وأنّ التحديات الأمنية وتعزيز السِلم الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط يقتضيان هيكلاً أمنياً إقليمياً جديداً يسمح بالتفاهم بين دول الخليج وإيران على إدارة ملفات الصراع من دون الاعتماد على لغة السلاح وحروب الوكالة. هذا ملف من المهم أن تمتلك فيه دول الخليج رؤية متسقة وواضحة».
خارطة طريق
وأوضحت رئيسة مركز الإمارات للسياسات أنه من بين تلك الأطروحات أيضاً أنه يمكن الاتفاق المبدئي على خارطة طريق تضع محاربة تنظيم داعش ووقف التدخل الإيراني في الشؤون العربية كمداخل أساسية لبناء هيكل أمن إقليمي جديد بين دول الخليج وإيران، وهذا من شأنه أنْ يعيد الاستقرار للمنطقة
وقالت إن اتجاه دول الخليج لتنويع شراكاتها الاستراتيجية وبناء قوتها الذاتية لا يتعارض مع فكرة أن أميركا حتى الآن هي أهم شريك استراتيجي لدول الخليج على الساحة الدولية.
وأفادت الكتبي، أن التحليلات الرائجة تشير إلى أن الولايات المتحدة قررت تخفيف ارتباطها وهيمنتها في إدارة ملفات المنطقة الكبرى بعد اكتشاف احتياطي ضخم للنفط على أراضيها، وقرارها بالتحوّل نحو الصين وجيرانها، وفي أعقاب ثورة الزيت الصخري وبالتالي تراجع قيمة الدول العربية والخليجية كشركاء استراتيجيين للولايات المتحدة.
وذكرت رئيسة مركز الإمارات للسياسات، أن مسار التحولات في العلاقة الأميركية-الإيرانية بدأ منذ سنوات ليست قريبة، وظل يتأرجح صعوداً وهبوطاً، ووضوحاً وغموضاً، وهذا ما يدفع محللين استراتيجيين ومراقبين إلى اعتبار هذا التحول حصيلة تراكمات مديدة من الجدل والحوار والتفكير في أروقة المؤسسات الأميركية المختلفة وليس وليد رئاسة أوباما فقط.
وأضافت إن قيمة إيران الاستراتيجية زادت بالنسبة للولايات المتحدة بسبب قربها من بحر قزوين ونفط الخليج وخطوط أنابيب الغاز التي تزود أوروبا بالوقود، وقربها من أفغانستان، واستخدامها في احتواء الصين.
تفشي الأزمات
بدوره، قال نائب رئيس ومدير مركز برنت سكوكروفت للأمن الدولي التابع للمجلس الأطلسي في الولايات المتحدة الأميركية، باري بافل، إن «التدخل الأميركي في منطقة الشرق الأوسط زاد إبان الحرب الباردة، وزاد أكثر بعد نهايتها، وفي إثر حرب العراق».
وأضاف بافل خلال جلسة «أسباب وسياقات التحول في التقدير الاستراتيجي الأميركي للشرق الأوسط، وانعكاسات ذلك على توزيع القوة في الشرق الأوسط»، أنه مع مجيئ إدارة أوباما إلى السلطة في يناير 2009، كانت الأزمة المالية متفاعلة، وفي ذلك الوقت كانت أولويات الإدارة ترتكز على منع حدوث ركود اقتصادي، والخروج من حربي العراق وأفغانستان.
وأضاف إن «إدارة أوباما أعادت تقييم السياسة الخارجية واستراتيجياتها الدولية، فقامت في يناير 2012 بالإعلان عن استراتيجية التحول إلى آسيا، إلا أن الاستراتيجية لم تكن مهيأة ومهيكلة بشكل جيد، لذا لم تتحول إلى خطوات وتدابير عملية».
ولفت ب بافل إلى معاناة الشرق الأوسط من أزمات تاريخية، إلا أن تداعيات هذه الأزمات لا تقتصر على المنطقة بل تمتد إلى العالم بأسره.
وأكد أن السياسة الأميركية ساعدت أحياناً في تفشي الأزمات في المنطقة، ومن ذلك الأزمة السورية التي تعاملت معها إدارة أوباما في البداية كأزمة إنسانية، وكانت الإدارة تنطلق في تعاملها مع الأزمة من محاذير عدة، أهمها: عدم رغبتها في التورط فيها، وعدم رغبتها في إذكاء التطرف، وعدم رغبتها في عسكرة الأزمة، وعدم رغبتها في تمدد الأزمة إلى الدول المحيطة.
وحول الاتفاق النووي الأميركي مع إيران، قال بافل «مع تأييد إقامة مشاورات مع إيران ومحاولة إدماجها اقتصادياً لخفض التهديد الذي تمثله إيران، إلا أن الإدارة الأميركية تخطئ إذا تتخذ موقفاً محايداً بين إيران وحلفائها الخليجيين في المنطقة.
تراجع
ولفت إلى أن الولايات المتحدة تراجعت في التزاماتها تجاه حلفائها، والوقت ليس مناسباً لانكفاء الولايات المتحدة عن المنطقة، وقد حان الوقت كي تتبنى الولايات المتحدة موقفاً أكثر استراتيجية لقيادة العالم والشراكة مع القوى المهمة والحلفاء في العالم والمنطقة.
وشدد على أنه يتوجب على الولايات المتحدة أن تعمل بشكل وثيق مع حلفائها في الخليج، لحل الأزمة في سوريا، وهذا يعني، حسبه، زيادة نشر القوات على الأرض.
توصيف العدو
في غضون ذلك، قال أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية، -د-محمد بن هويدن، إنه منذ زيادة اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الخليج، اتسمت المصالح الأميركية تجاه المنطقة بالثبات.
وأشار إلى أن قضية التحول الاستراتيجي الأميركي للشرق الأوسط وانعكاساته على أمن الخليج تعد من قضايا الساعة، لافتاً إلى أن الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة هي المتغيرة وأن السياسة الأميركية ثابتة لا تتغير منذ عهد الرئيس روزفلت وحتى الآن، وهي« تعتمد على النفط ومنع أي قوى معادية لأميركا من الظهور في المنطقة إلى جانب الوجود العسكري الأميركي، أما الاستراتيجية الأميركية فهى المتغيرة بحسب رؤية المصالح ».
وأضاف: «أصبح هناك اختلاف بين الحليفين الخليجي والأميركي في توصيف العدو، فبينما تنظر دول الخليج إلى إيران كتهديد وجودي لدول المنطقة ، يلحظ أن الولايات المتحدة أصبحت تنظر إلى إيران كشريك، وتدعو إلى مشاركة النفوذ بين الطرفين والخليجي».
الانتخابات الأميركية
من جانبه، تحدث الخبير معهد دول الخليج العربية في واشنطن –د- حسين ايبش عن العوامل التي تؤثر في السياسة الأميركية تجاه المنطقة، وبين أن من تلك العوامل الاعتقاد بتراجع أهمية المنطقة للولايات المتحدة بسبب تراجع الاعتماد الأميركي على نفط المنطقة، سواء نتيجة للاكتفاء الذاتي الأميركي أو لوجود بدائل أخرى لواردات النفط، إضافة إلى أن الإرهاب لا يمثل مشكلة للولايات المتحدة وهو أيضاً كذلك بالنسبة لدول المنطقة.
وأضاف إن «من بين تلك العوامل أنه مفهوم الدولة المارقة لم يعد قائماً في السياسة الأميركية، ولا توجد دول مارقة في الشرق الأوسط، لاسيما بعد إبرام الاتفاق النووي مع إيران».
ولفت ايبش خلال جلسة «العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في تغيير أو تعديل التقدير الاستراتيجي الأميركي الحالي للشرق الأوسط» إلى أن هناك سياسات ستشهد استمرارية لدى إدارة البيت الأبيض بغض النظر عن الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومنها الاستمرار في محاربة التنظيمات الإرهابية في المنطقة.
وفيما يتعلق بإيران، أوضح ايبش أن الموقف الأميركي تجاهها يتسم بالشكوك، وهناك مرحلة من التذبذب في العلاقة مع إيران، لمعرفة ما إذا كانت طهران ستغير سياساتها أم لا، وفي المحصلة لا يمكن أن تكون إيران حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة.
استطلاع
وفي مداخلة لرئيس تحرير جريدة الوطن يوسف البنخيل فقد أشار إلى دراسة مسحية أجريت في دول الخليج شملت أكثر من 478 شخصاً عبر عينة عشوائية أظهرت أن 91 في المئة من الخليجيين لا يثقون في السياسة الأميركية تجاه دولهم، كما أن 62 في المئة منهم لا يؤيدون التحالف معها.
سيناريوهات محتملة
وفي جلسة «السيناريوهات المتوقعة للتقدير الاستراتيجي الأميركي للمنطقة في العقدين المقبلين»، سعى المستشار في مركز الإمارات للسياسات وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، -د- زيد عيادات، إلى التنبؤ بسيناريوهات مستقبل منطقة الخليج في ضوء التغيرات الاستراتيجية، خصوصاً التحول في السياسة الخارجية الأميركية تجاه المنطقة.
وانطلق في بناء السيناريوهات المحتملة من واقع السياسات العربية، والخليجية بشكل خاص، وليس بالاعتماد على السياسة الأميركية.
وأشار الباحث إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:« الأول، بناء منظومة خليجية بالاعتماد على الذات أولاً والتحالفات ثانياً، مترافقاً مع حل المشاكل الإقليمية وإعادة تأهيل إيران.
والسيناريو الثاني هو المتشائم الذي قد يعود إلى حل إشكالات إقليمية دون بناء إطار أمن إقليمي جديد، بالاعتماد على الذات، والاستمرار في توقع تدخل القوى الأخرى من أجل حماية أمن الخليج،. أما السيناريو الثالث فهو الأكثر تشاؤماً بحسب وصف الباحث، وهو السيناريو القائم على الإخفاق في بناء منظومة أمن جديد، وفي حل المشكلات الإقليمية».
4 محاور
تناولت ورشة العمل 4 محاور رئيسية ففي الجلسة الأولى تم مناقشة «أسباب وسياقات التحول في التقدير الاستراتيجي الأميركي للشرق الأوسط وانعكاسات ذلك على توزيع القوى في الشرق الأوسط» وبحثت الجلسة الثانية «العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في تغيير أو تعديل التقدير الاستراتيجي الأميركي الحالي للشرق الأوسط»..
في حين ناقشت الجلسة الثالثة المسائية «مستقبل أمن منطقة الخليج في ضوء التحول الاستراتيجي الأميركي»، فيما استعرضت الجلسة الأخيرة السيناريوهات المتوقعة للتقدير الاستراتيجي للمنطقة خلال العقدين المقبلين.
