بعد انقطاع طويل عن كل أشكال التصويت والديمقراطية، جرت في الثامن من الجاري الجولة الأولى من الإنتخابات البلدية والإختيارية، في بيروت والبقاع وبعلبك- الهرمل، على أن تكون الجولة الرابعة والأخيرة في 29 من الجاري..

وهذا في حدّ ذاته حدث يرقى إلى مستوى الإنجاز في «زمن التمديد» الذي ثبت أنه غير «قسري»، كما حاولت أن تروّج سابقاً بعض مراكز القوى في السلطة.

وهذه الإنتخابات تكتسب أهمية مضافة عن أي انتخابات أخرى، لكونها الوحيدة التي تجري على أساس وطني لا طائفي، وفيها تتجلّى في معظم البلدات التي يكون ناخبوها من طوائف متعدّدة تشكيل اللوائح المختلطة، بحيث تتمثل كلها في المجلس البلدي.

وفي السياق، تجدر الإشارة إلى سقوط الأوهام المفتعلة التي عمّمتها الطبقة السياسية على مدى سنوات، حول عدم ملاءمة الأوضاع الأمنية والظروف المحلية والإقليمية لإجراء أيّ انتخابات، فكان التمديد الأول ثم الثاني لمجلس النواب، وكان الشغور الرئاسي «المستدام» تحت حجّة «الضرورات التي تبيح المحظورات».. قبل أن يتبيّن أن بإمكان اللبنانيين أن يقترعوا، ويتنافسوا، بشكل طبيعي.

وفيما تستعدّ محافظة جبل لبنان لخوض هذا الإستحقاق غداً، فإن المفارقة تتمثل في كون هذا الإستحقاق جرى ويُستكمل في ظلّ غياب رئيس الجمهورية وشلل مجلس النواب وتخبّط الحكومة.

وكانت المرحلة الأولى من الإنتخابات أعطت نتائج عدّة، أبرزها: نجاح الخطة الأمنية والإدارية المعتمدة، شقّ الطريق إلى استكمال الإستحقاق، فرض الواقع الحزبي نفسه على الجميع، مقاطعة شعبية في العديد من المناطق، سقوط فرضية التمديد النيابي، إشتداد المطالبة بالإنتخاب الرئاسيز

وأشاع نجاح الاستحقاق آمالاً بتمدّد مفاعيل النتائج، التي رسمت ملامح فرز سياسي، نحو وقائع إنتخابية مقبلة، في مناطق جبل لبنان والشمال خصوصاً، وعلى التحالفات السياسية العريضة وآفاق الإنتخابات النيابية نفسها.

المشهد البلدي

وفي زمن البلديات المستمر حتى نهاية الشهر، تغرق البلدات والقرى في صراعات لا يمكن توصيفها بدقّة. تحت عناوين المحلية والعائلية، تنقسم العائلة الواحدة وتبحث عن نسبها الأبعد.

وتحت عنوان توافق أهل البلدة أو المدينة، تنقسم القرى إلى عائلات صغيرة وكبيرة وتُفتح كتب العُرْف والعدد.. وتصل الرغبة بعدم انقسام البلدة، والأدقّ تأمين حصول الجميع على حصّة في البلدية، إلى التحالف مع أعتى الخصوم.

وتحت عنوان الحفاظ على الصف السياسي والخطّ الواحد، تتّحد اللوائح في صدّ رغبات الأهالي بمجالس بلدية حدودها محلية وطموحاتها محلية. ويصعب إيجاد قوى تواجه تحالف حركة أمل وحزب الله. بدوره، يحاول التحالف بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر أن يضخّم الهالة من حوله.

فمن يقف في وجه هذا التحالف، يبدو كمن يريد للخلافات أن تبقى مصدراً دائماً للتوتر في الأوساط المسيحية، أو كمن ينحاز إلى التقليد في السياسة ضد التجديد والتجدّد عبر الأحزاب. يحدث ذلك في وقت تغالي الأحزاب في تقليديتها، سواء في اختياراتها لمرشّحيها أو في برامجها المطروحة.