لعل المتابع للشأن العراقي يجد تشابكاً غريباً في المواقف مع غموض بلا مبرّر، ويفسر في كثير من الأحيان بالتخبط أو الجهل السياسي، فضلاً عن الأصابع الخارجية التي تمسك بالكثير من خيوط اللعبة، فيما جاءت الأزمة السياسية نتيجة تراكم أزمات منذ تشكيل العبادي حكومته، ورجوعاً إلى بدايات الاحتلال الأميركي.
ويرى مراقبون أن خلط الأوراق لم يأتِ بالصدفة وإنما بتخطيط مسبق، لإعادة ترتيب البيت وفق وجهات نظر لا تخلو من الاختلاف، ولكنها تكاد تجمع على اثبات فشل الحكم الديني - الطائفي طوال سنوات، ودفعه بالبلاد إلى الانهيار.
ويلمس المتابع للشأن العراقي أن الحراك الشعبي من أجل الاصلاح بدأ بشكله القوي منذ 2011، واستمر بالصعود والهبوط، رغم القمع وحملات التصفية والاعتقال، الا انه وجد مستنداً له بالدعم الخطابي من المرجعية الدينية في النجف، وتحذيراتها من ضياع الفرصة، جراء عمليات الفساد وتفاقم الفقر وتدني المعيشة، رغم الموازنات التريليونية الهائلة، حتى تم فرض حكومة العبادي، التي طرحت في بدايتها برنامجا اصلاحيا، مقابل دعم دولي في محاربة «داعش»، الا انها لم تستطع تحقيق أي من بنوده، بسبب هيمنة الكتل الطائفية على القرار، والتنفيذ واعتماد اسلوب المحاصصة، وتدمير كيان الدولة به ما يستوجب التغيير.
أزمة الفشل
وفي أزمة الفشل التي واجهها العبادي، كان لابد من التحرك لإنقاذه، من خلال الإعلان عن إصلاحات ابتدأ حزمتها الأولى بإقالة نواب رئيس الوزراء، والغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، ومن بينهم المالكي، الذي أسعدت اقالته معظم العراقيين، واعتبروا خطوة العبادي شديدة الجرأة، على الرغم من الثغرات الدستورية والقانونية في تلك الحزمة، التي ايدتها الكتل السياسية علناً، ووقفت ضدها عمليا، كون العبادي عضواً في التحالف الوطني وانه اتخذ الاجراء منفردا دون التشاور مع الجهات التي اعلنت عن تأييدها، وتخويله من خلال مجلس النواب المزيد من الإصلاحات، الا انها ما لبثت أن كبلته بوثيقة شرف بإشراكها في اتخاذ القرارات، ما يعني العودة إلى سياسة التوافق والمحاصصة.
حكومة تكنوقراط
ويرى مراقبون أن العبادي هو من تبنى الاصلاح وحدد مواعيده بدفع من الشارع، ما نتج عنه طرح مشروع حكومة تكنوقراط، الأمر الذي اعتبرته معظم الكتل، لاسيّما المدعومة من إيران قفزاً على استحقاقها البرلماني، فيما اعتبرها المالكي مؤامرة أميركية.
ركوب موجة
في، المقابل ألقى التيار الصدري والمدني ثقله لدعم التكنوقراط، وتطور موقف التيار إلى اعتصام داخل البرلمان، ما دفع ائتلاف المالكي وجهات أخرى لركوب الموجة، والتوجه للاعتصام فيما تناسى المالكي تصريحه بتحريم الاعتصام، وكان التفسير الوحيد لمشاركة كتلة المالكي المتهمة بالفساد، هو تشويه سمعة الاعتصام وتخريبه، وهذا التفسير كان كافياً لانسحاب الصدريين من الاعتصام داخل البرلمان.
3
لا يزال التيار الصدري يضغط باتجاه التصويت على قائمة التكنوقراط التي يقدمها رئيس الوزراء بعيداً عن الكتل، فيما جعل معتصمو دولة القانون ومن معهم هذا المطلب في المرتبة الثانية، وظلت الكتلة التي تطلق على نفسها الشرعية عند رأيها في تقديم مرشحين تكنوقراط من قبلها كبدلاء لوزرائها.
وأصبحت الكتلة الرئيسية في البرلمان «التحالف الوطني»، ثلاث كتل تضم الصدريين ودولة القانون وأنصار الشرعية كلٌ بحلفائه وفي كل هذه الكتل مؤيدون لحكومة التكنوقراط، التي يميل الميزان باتجاهها، بفعل ضغط الشارع العراقي، والضغط الدولي، ما جعل بعض الكتل تسعى الى عدم تحقيق النصاب البرلماني لإقرارها.