يقترب الشغور الرئاسي في لبنان من طيّ عامه الثاني، ليدخل سنة جديدة في 25 مايو المقبل، من دون أفق ولا إشارات توحي بخرق يؤدي إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وفيما يتردد أن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الذي زار لبنان (16 و17 من الجاري) حمل في حقيبته أفكاراً لحلحلة أزمة الشغور تكاثفت الدعوات الأمميّة والدولية لإجراء الانتخابات الرئاسيّة بجهود محلية بدون انتظار الحلّ من الخارج.
وعلى وقع التطوّرات الإقليمية المتسارعة، تترقّب الأوساط السياسية في لبنان أن تتحرّك الاتصالات في اتجاهات عدّة لملاقاة أيّ معطى إيجابي إقليمي يمكن حصوله، خصوصاً على مستوى العلاقات السعودية الإيرانية، لتوظيفه في سبيل إنجاز الاستحقاق الرئاسي الذي ستكون له محطة جديدة في 10 مايو المقبل، فيما يتحدث البعض عن أنّ هذا الموعد قد يكون أول المواعيد الجديّة لتأمين انتخاب رئيس جديد في مهلة أقصاها شهر يوليو المقبل.
نتائج زيارة
وفي السياق، تشخص الأنظار إلى كواليس الأقطاب السياسيين وإلى ما يمكن أن يتسرّب من بين السطور حيال نتائج زيارة فرانسوا هولاند التي يرى كثيرون أنّها حملت في طياتها «كلمة سر» قد تنهي حالة الشغور الرئاسي.
وفي المقابل، أشارت مصادر متابعة لـ«البيان» الى أن نتائج زيارة الرئيس هولاند إلى لبنان لن تظهر قريباً، فالتطورات متلاحقة وملفّ لبنان بات على أجندة الرئيس الفرنسي، إذ توغّلَ في الأسئلة عن مواقف الأطراف كافة، من موضوع انتخاب رئيس جديد للجمهورية والأسباب التي دفعت إلى تعثّر المساعي الهادفة لإنجاز هذا الاستحقاق ومخاطره على الوضع في لبنان.
كما أبلغ ممثلي الكتل النيابية المخاطر التي تراها بلاده على استمرار الشغور، ووضع إمكانات فرنسا في تصرّف المسؤولين للمساهمة في حلحلة العقد، سواء المتعلقة بانتخاب الرئيس أو قانون الانتخاب أو انتظام عمل المؤسّسات الدستورية. وفي المعلومات أيضاً، فإن الرئيس الفرنسي، الذي زار لبنان للمرة الثانية خلال ولايته الرئاسية، كانت له مقترحات ووساطات، وشرح مرتكزات الرؤية الفرنسية، من دون أن يفرض تدخلاً.
إشارات تفاؤل
وبحسب مصادر متابعة، فإنّ الإشارة التي تلقّفها المتفائلون تكمن في ما ردّده أمام محدثيه السياسيين، بدءاً من تشديده على ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية «من ضمن العناصر المتوافرة» أو العثور على حلّ آخر مما هو «بين أيدي اللبنانيين».
وفي المحصلة، لم يُشعِر محدّثيه بأيّ إيحاء الى مرشح محدّد، ولا لمّح الى أن باريس تبحث عن مرشح أو تُعنى بأحد ما. على أن نتائج الزيارة، بحسب المصادر المتابعة عينها، لم تقتصر على ما أدلى به فحسب، بل أخفت ملاحظة إضافية أيضاً، إذ تفادى الرئيس الفرنسي التصرّف كما لو انه آتٍ لإخراج اللبنانيين من مأزقهم. ولذا، تحدث عن دور فرنسا على أنها عامل مفيد ومساعد، لا تستطيع بالضرورة حلّ المشكلة، إلا أن في وسعها بذل أقصى ما يمكنها القيام به، من دون أن تظهر في المقابل أنها تقتطع من دور سواها.
الأمر الذي حمل هولاند على إبلاغ من التقاهم أن الخارجية الفرنسية ستدعو نظراءها في «مجموعة الدعم الدولية للبنان» إلى الاجتماع الشهر المقبل للبحث في المهمة المنوطة بالمجموعة، على صعيدي دعم الجيش والاقتصاد، للتعويض عن الشغور الرئاسي الذي لا يجد طريقاً الى الحل.
تجدر الإشارة الى أن لبنان الرسمي لا يزال يراهن على الاستفادة من زيارة الرئيس هولاند، بالنظر إلى الروابط والعلاقات التاريخية بين فرنسا ولبنان، في حين تقلّل أوساط سياسية من تأثير زيارة الضيف الفرنسي الكبير على تعديل مسار «الستاتيكو» الرئاسي البالغ التعقيدات، إذ لا معالجة في الأفق للعلاقات المتأزّمة بين السعودية وإيران، الأمر الذي يبقي الاستحقاق الرئاسي اللبناني عُرضة لهذه الأزمة.
رسالة روسية
وفي سياق متصل، تردّدت معلومات مفادها أن رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري تبلّغ خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو، والتقى خلالها الرئيس فلاديمير بوتين، أنّ الاستحقاق الرئاسي اللبناني لم تنضج ظروفه بعد.
وفي المعلومات أيضاً، تلقّى الحريري نصيحة من القيادة الروسية، التي تنظر إليه كصديق قديم، بعدم استنزاف طاقاته السياسية، في محاولة لتأمين نصاب لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية في القريب العاجل والاهتمام بقضايا أخرى إلى حين نضوج اللحظة الرئاسية المرتبطة بالحلّ السياسي في سوريا والمنطقة. وفي ضوء هذه النصيحة الروسية، لفتت مصادر مراقبة «البيان» الى كلام يحمل بوادر التراجع للرئيس الحريري، لناحية إشارته إلى القبول بأيّ مرشح لسدّ الفراغ، وتسميته النائب ميشال عون بالاسم، واستعداده للقول: «مبروك جنرال»، فيما لو تأمّن النصاب وجرى انتخابه.
وهذا الطرح، معطوفاً على طرح رئيس لسنتين، بدأ يأخذ حيّزاً من النقاش، لكن حدود الطرحين هنا، حيث تتعثر التسويات في انتظار الخارج، وأنباء التفاوض على محورَي سوريا، واليمن التي أثمرت حواراً إيجابياً في اليومين الماضيين بدعم وزخم وإصرار كويتي.
عدم تفاؤل
تتطلّع الأوساط اللبنانية الى زيارة الرئيس الفرنسي بتفاؤل غير كبير، لمعرفتهم بعمق الخلافات الداخلية اللبنانية، ولمعرفتهم بمحدوديّة الدور الفرنسي، ولمعرفتهم أيضاً بأن عرّابي الحلول لمشاكل الإقليم لم يتوصّلوا بعد الى خريطة طريق للحلّ الشامل.