لمشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

لم تتغير طبيعة الملفات الإشكالية بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة منذ عام، وهي الفترة الزمنية التي تفصل بين قمّتين عقدهما قادة دول مجلس التعاون مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، إلا أن الدور المحوري الذي تلعبه كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة توضحت بشكل أكبر في الملفات الرئيسية للمنطقة.

ويعد ملف التدخلات الإيرانية في المنطقة على رأس القضايا الخلافية، بل جزء أساسي في كافة الأزمات الإقليمية، في اليمن وسوريا ولبنان والعراق، الأمر الذي يدفع بدول الخليج إلى صون مصالحها بالطريقة التي تراها مناسبة وبمبادرة منها دون انتظار موافقة الولايات المتحدة التي عزلت نفسها إرادياً وتركت أزمات المنطقة تشتعل. وما يثير ريبة دول الخليج العربية أكثر أن هذا الانعزال الأميركي ترك مساحة تسارع إيران إلى استغلالها دون ممانعة أميركية، بل حتى دون أن تشجع واشنطن الخطوات الخليجية المقابلة للتوسع الإيراني.

وكرر أوباما في قمة الرياض الخميس الماضي ما يكرره منذ توقيع الاتفاق النووي مع إيران، تطمينات لفظية لم تعد تعني الكثير، بل تأثيراتها السلبية ستكون كبيرة لو أخذت هذه الإدانات اللفظية على محمل الجد من قبل دول الخليج، لأنها جرعة مخدرة وسط أزمات المنطقة فيما تواصل إيران الإمساك بخيوط أزمات المنطقة عبر تقوية أذرعها السياسية والعسكرية في الدول المضطربة.

لا تكمن خشية دولة الخليج من علاقات جيدة بين واشنطن وطهران، فأي مبادرة تصب في تخفيف التوترات في المنطقة ينعكس إيجاباً على دول الخليج أيضاً نظراً للتداخل الشديد بين الملفات الشائكة، إلا أن واقعاً جديداً على الأرض كان سيرتسم منذ الاتفاق النووي لولا تكاتف دول الخليج، وهذا الواقع كان يتجه إلى أن تحل إيران محل الولايات المتحدة في المنطقة. هل الأمر نتاج تفاهم ثنائي؟ هل بات الأميركيون يفضلون الإيرانيين على مصالح دول الخليج العربي؟ ما هو الموقف الأميركي في حال أقدمت إيران على توسيع تدخلها في دول المنطقة وتحديداً في البحرين؟.. هذه الأسئلة وغيرها حتّمت على دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة المبادرة إلى التحرك بمعزل عن الأميركيين، فبمجرد طرح هذه الأسئلة يعني أن هناك جفاء في العلاقات قد يؤدي التغاضي عنه إلى تقليص دور الخليج في مناطق نفوذها الحيوي، مثل اليمن التي جاء تشكيل التحالف العربي بمثابة وصفة إنقاذ للشرعية وأيضاً أول حائط صد عسكري ضد التدخلات الإيرانية.

وأثبتت المقاربة الخليجية المشتركة في اليمن صلابة العلاقات الخليجية ومتانتها، وعززت روح العمل الجماعي بين دوله، وجعل مختلف دول العالم تتعامل مع دول الخليج كقوة فاعلة في القضايا الإقليمية والدولية.

الأزمة السورية

وفيما باتت الأمور في اليمن تسير باتجاه الحلحلة وإعادة الأمور إلى نصابها، فإن الأزمة السورية ما زالت تحتاج إلى أشواط للوصول إلى مستوى الانفراجة النسبية في اليمن. ويعود استفحال الأزمة السورية إلى التدخل الإيراني الذي ساهم في توسيع النظام السوري عملياته العسكرية، وخلق أسوأ أزمة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وحظي الملف السوري بأهمية محورية في اجتماع قادة الخليج مع أوباما، من دون نقاط اتفاق واضحة بين الجانبين، فالكلام الأميركي المكرر عن ضرورة الحل السياسي وأن لا مستقبل للرئيس السوري بشار الأسد في سوريا يتكرر منذ نهاية عام 2011، ومنذ ذلك الوقت وسعت إيران نفوذها بمساعدة من ميليشيات حزب الله، كما جاء التدخل الروسي الأخير بمثابة حبل إنقاذ للنظام، وكل هذا التفاقم في الأزمة جاء أساساً من عدم ممانعة الأميركيين لحلفاء النظام بكافة أشكال التدخل، فيما صدّت وما زالت تصد أي محاولة جادة من أصدقاء الشعب السوري التخفيف من معاناة السوريين أو تمكينهم من التصدي لقوات النظام وحلفائها الدوليين وليس فقط تنظيم داعش الإرهابي.

بين اليمن وسوريا والعراق ولبنان يشوب الفتور العلاقات الخليجية الأميركية في العديد من ملفات المنطقة، لكن على المدى البعيد تبقى العلاقات الاستراتيجية التي تربط مصالح الطرفين قوية بما فيه الكفاية لإزالة الالتباس والجفاء الذي يظهر بين فترة وأخرى، فحضور رئيس أكبر دولة في العالم لا يمكن أن يقرأ إلا بصورة واحدة وهي أن دول الخليج ذات تأثير إقليمي وعالمي لا يمكن لأحد أن يغفل عنه، وهذا ما ينبغي أن يدفع الأميركيين إلى إعادة تقييم سياساتهم تجاه المنطقة بما يأخذ في عين الاعتبار المصالح الاستراتيجية لدول الخليج، سواء عبر الإدارة الأميركية الحالية أو المقبلة.