لا يزال الفساد يمثّل العقبة الكؤود التي تعيق طريق التنمية في السودان وفق اعتراف السلطات، فلا تخلو أغلب المؤسّسات بحسب تقارير المراجعة العامة من الاعتداء على المال العام، فلم يعد الحديث عن الفساد سراً بعد أن ضجّت منتديات الخرطوم ومجالسها بمطالبات كبح جماح المفسدين ومحاسبة سارقي المال العام.

ولم يقتصر الحديث عن الفساد على المنتديات فقط، بل أبدت الدولة في أعلى مستوياتها رغبة في محاربته عبر إنشاء مفوضية تابعة لرئاسة الجمهورية، فضلاً عن وجود قانون خاص بالاستقامة والشفافية ومحاربة الفساد أجازه البرلمان في يناير الماضي تحفّظت عليه رئاسة الجمهورية.

ويرى خبراء في قانون البرلمان تشريعاً غير كافٍ في ظل وجود الكثير من العقبات وعلى رأسها الحصانة التي يتمتّع بها الدستوريون، فضلاً عن نصوص قانونية تمثّل حافزاً لاستمرار الفساد بدلاً من ردعه.

وأشهر وزير العدل السوداني سيفه لمحاربة الفساد متأبطاً توجيهات رئاسية، إذ أعلن في أكثر من مرة أنّه لن يتوانى في محاربة المفسدين، واتخذ منذ توليه المنصب إجراءات ضد عدد من الأشخاص الذين تدور حولهم الشبهات مثل قضية بيع «خط هيثرو»، غير أنّ الشارع السوداني يرى في هذه الإجراءات غير كافية لردع المفسدين، لا سيّما من يتخذون الحصانة غطاءً.

ملاحظات رئاسة

وعلى الرغم من أنّ خبراء يعتبرون الحصانات التي يتمتع بها الدستوريون أكبر عوائق مكافحة الفساد، إلّا أنّ الرئاسة السودانية أعادت قانون المفوضية القومية للشفافية والاستقامة ومكافحة الفساد إلى البرلمان مرة أخرى بعد أن تمّ رفعه إليها للمصادقة عليه، وطلبت من البرلمان إعادة النظر في المادة «25» المتعلّقة بالحصانات.

وأبدت الرئاسة جملة ملاحظات رغم تأكيدها على سيادة حكم القانون، مؤكّدة أنّ الحصانة تمكّن متمتعيها من أداء المهام والواجبات وهم أكثر اطمئناناً وحتى لا يتعرضوا لإجراءات كيدية، باعتبار أنّ صاحب الحصانة غالباً ما يشغل منصباً حساساً، مشيرة إلى أنّ الحصانات وردت في عدة قوانين ما يجعل من رفعها أمراً يتطلب الدراسة الوافية.

تغييب عدالة

ويشير الخبير القانوني السوداني نبيل أديب في تصريحات لـ «البيان»، إلى أنّ «الحصانات الموجودة في القوانين لجميع المناصب الدستورية تحجب الحق في اللجوء إلى القضاء، وتمنع الخضوع للمحاسبة، لافتاً إلى أنّ «الفساد الأكثر تأثيراً هو الذي يقترفه شاغل المنصب الدستوري.

ويؤكّد أديب أنّ قانون مكافحة الفساد يناهض كل أشكال الفساد في القطاعين العام والخاص، إلّا أنّ الفساد المدمّر هو الذي تعاني منه أجهزة الدولة، مبيّناً أنّ إخضاع أصحاب الحصانات للقانون يحوّله إلى «نصوص ميّتة»

ويمضي أديب إلى القول إنّ «حجة الرئاسة بشأن إمكانية استغلال إلغاء الحصانات لرفع دعاوى كيدية غير منطقية، باعتبار أنّ أجهزة العدالة هي من تقرر ما إذا كانت الدعوى كيدية أو لا.

عوائق

تعتبر هيئة علماء السودان أنّ «حصانة المسؤولين تمثل أكبر عوائق مكافحة الفساد، إذ يشدّد الأمين العام للهيئة إبراهيم الكاروري على ضرورة رفع الحصانة عن المتهمين في قضايا الفساد ستة أشهر على الأقل.

ويضيف الكاروري: «لا قداسة ولا حصانة ولا امتياز لمن يتولى السلطة، مطالباً بالرقابة الشعبية للحد من الفساد وفتح الباب أمام حرية نشر قضايا الفساد».