يمضي المشهد العراقي بوتيرة متسارعة من سيئ إلى أسوأ بعد أن استعصى الحل وأغلقت أبوابه، وضاعت المفاتيح بين الولاءات المقسمة. فهناك من يظن أن المفتاح في واشنطن، وآخرون يرونه في طهران، ومجموعة ثالثة تظنه بيد رئيس الحكومة الحالية حيدر العبادي، الذي تصطدم خطته للاصلاح ببرلمان متناقض طائفياً وعرقياً وسياسياً، ما جعل المسرح «مدهشاً»، فكثير جداً ممن ينادون بالإصلاح ومحاربة الفساد، هم من أبرز الذين توجد عليهم مؤشرات فساد وتسبب في الانهيار الشامل الذي يعصف بالبلاد..
كما أن معظم المنادين بالابتعاد عن المحاصصة الطائفية والسياسية، هم من أسسوا لهذا النهج. واللافت في رؤية المتابعين للشأن العراقي، هو أن أولئك النواب المعتصمين في البرلمان، كانوا يطالبون رئيس الحكومة بتنفيذ وعوده الإصلاحية، ولكن سرعان ما تغيرت البوصلة، باتجاه إقصاء رئيس البرلمان سليم الجبوري.
فشل الأحزاب الدينية
ويلفت الكاتب والمحلل السياسي زيد الزبيدي، الى أن الحراك المدني بدأ منذ العام 2011، إلا أن الفشل المتراكم لحكم الأحزاب الدينية، أعطاه زخما أقوى، وكان للتيار الصدري، الذي عرف بشراسته في «الحرب الطائفية» دور مناقض لكل سلوكياته، بالتقرب من التيار المدني، بعد إقصاء أو تخلي غلاة المتطرفين عنه، ممن أسماهم مقتدى الصدر «الميليشيات الوقحة»، ومن ثم التحول التدريجي للبروز في الساحة المدنية.
ويفسر الزبيدي هذا التحول بأن تيار الصدر، الذي نشأ وترعرع محليا، ولم يأت من الخارج كغيره من الأحزاب والحركات الدينية، استطاع استقطاب الحواضن الشعبية الفقيرة، وهي بالذات، كانت حواضن الحركات المدنية واليسارية، مثل مدينة الثورة «الصدر» في بغداد، التي عرفت بانها من ابرز مناطق قوى اليسار، وكذلك المحافظات الجنوبية والوسطى، ومنها النجف والناصرية والبصرة، وغيرها، فيما كانت مناطق بغداد والعراق الغربية «السنية» بؤرا للتيارات القومية والبعثية، وأصبحت فيما بعد مناطق نفوذ للأحزاب والحركات السنية.
شيعة الداخل والخارج
ويوضح المعنيون بالشأن العراقي، أن «آل الصدر»، كانوا على تقارب مع المذهب السني، وأن المرجع الديني – السياسي، محمد باقر الصدر، كان أول المراجع الشيعة الذي أفتى بصلاة الجماعة ووجوب أداء صلاة الجمعة.
وإذا كان تقارب التيار الصدري مع التيار المدني، ومع السنّة، ذا جذور تاريخية، فان غالبية الحركات والأحزاب الشيعية التي أنشئت في الخارج، ثم هيمنت على الساحة العراقية، بدعم من إيران وتنسيق مع الولايات المتحدة، ما زالت تحمل نظرة مغايرة، وإن أظهرت العكس.
كبش الفداء
وفي هذا الصدد يقول الكاتب ساهر عبد الله، إن رئيس الوزراء حيدر العبادي، أعلن عن طرح برنامج إصلاحي، وعن تشكيل حكومة تكنوقراط، ولكنه «دستوريا»، لا يستطيع فعل أي شيء لأنه مقيد ببرلمان «متوافق» و«متناقض» طائفيا وعرقيا وسياسيا، وتتحكم فيه كتل هي التي أرست أسس المحاصصة والفساد، ولا تفهم من المنصب سوى المنافع، كما تجهل معظمها معنى «تكنوقراط»، كما تجهل معنى وأسس ومقومات الديمقراطية، التي تم اختزالها بــ «صناديق الاقتراع»، التي تتحكم بها الجهات الحاكمة والمتنفذة، إضافة إلى الميليشيات.
ويؤكد عبد الله، أن مجلس نواب كهذا لا يمكن أن يقدم إصلاحات ناجزة، وكان المفترض بالعبادي أن يعتمد قوة الشارع، إضافة إلى الدعم الدولي، لتمرير إصلاحاته الموعودة، وليس العودة إلى طريق الكتل البرلمانية، التي قدمت الجبوري كبش فداء، بدلاً من محاسبة العبادي.
إخفاق العبادي
وكان طرح العبادي فكرة حكومة «التكنوقراط»، بشارة خطوة أولى نحو إصلاح حقيقي، إلا انه سلّم «المفتاح» إلى حلفائه الخصوم، الذين لا يتنازلون بسهولة عن مغانمهم، وكان من أبرز ما طرحته بعض الكتل، وجوب تخلي العبادي عن حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون، لإثبات مصداقيته في التحول المدني، حيث لا يمكن أن تكون هناك حكومة تكنوقراط يرأسها قيادي في حزب ديني أثبت فشله وتدميره البلاد طيلة عشر سنوات.
استعادة
يؤكد المعنيون بالشأن العراقي أن على العبادي استعادة المفتاح، وأن يكون في صف النواب المعتصمين النزيهين، او الأقل فسادا وجهلا، وإبعاد الدخلاء عنهم، وبالأخص النواب عن حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون، كونهم المشمولين الأساسيين بالمحاسبة عن فضائح وفظائع السنوات العشر الماضية.