ليس من باب المصادفة أن كل الأحزاب التونسية التي تحالفت مع حزب حركة النهضة في تونس تعرضت لانتكاسات وتصدّعات وتشققات وأزمات داخلية، وفقدت جزءاً مهماً من حضورها في الشارع، ومن طموحها السياسي المستقبلي، وآخر هذه الأحزاب حركة نداء تونس التي تأسست عام 2012، على أمل أن تحقق التوازن مع قوى الإسلام السياسي وخاضت انتخابات 2014 على أمل أن تقود البلاد نحو استعادة مشروع الدولة الحديثة، كما أراد ملهمها الحبيب بورقيبة الذي تؤكد الحركة أنها تتبنى فكره وتواصل مسيرته.
حركة نداء تونس تعاني حالياً من حالة هزال سياسي، بعد أن فقدت الكثير من رصيدها الشعبي، وتعرضت لانتقادات من أغلب الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي، وتعرضت كتلتها داخل مجلس نواب الشعب لتصدع ملحوظ، عندما انسحب منها 27 نائباً ذهبوا ليشكلوا كتلة جديدة أطلقوا عليها اسم «الحرّة»، باتت تمثّل الجناح البرلماني لحركة «مشروع تونس» التي أسسها الأمين السابق للنداء محسن مرزوق رفقة العشرات من كوادر الحركة، كما التحق به الآلاف ممن يرون أن «نداء تونس» خان ناخبيه وتنكر لوعوده الانتخابية بتحالفه مع الإسلاميين.
خطر النهضة
القيادي السابق في «نداء تونس» عبدالستار المسعودي، يرى أن «حركة النهضة مثلت خطراً على كل من تحالف معها، ففي تجربة «الترويكا» انهار حزبا «المؤتمر من أجل الجمهورية» و«التكتل»، بعد أن دخلا في شراكة معها، واليوم يتكرر السيناريو، فبعد أن تحالف أو تشارك معها نداء تونس ها هو النداء ينهار أيضاً، أي أن كل من يقترب من النهضة من الأحزاب ينقسم ويندثر»، وفق تعبيره.
وأضاف أن الخلافات التي يشهدها نداء تونس منذ فترة ناتجة عن التعامل مع حركة النهضة، فالنداء كان حزباً انتخابياً، وعندما تأسّس كان ردة فعل على الإسلام السياسي الذي كان يهدد مدنية الدولة ويريد أن يفرض على المجتمع ممارسات لم يعتد عليها، أي تغيير نمط حياة التونسيين وتنفيذ أجندات إخوانية، لهذا وجد الحزب شعبية كبيرة وحصل على المرتبة الأولى، لكن ما حصل لاحقاً أن الخيار كان عكس رغبة الناخبين الذين صوتوا لنداء تونس من أجل منع تغول النهضة، لكن خيارهم قوبل بأن ذهب الحزب ليتحالف معها ويعيدها للحكم مجدداً ولو بطريقة أخرى.
السبسي يدافع
ورغم أن رئيس البلاد الباجي قايد السبسي دافع في أكثر من مناسبة عن تحالفه مع الإسلاميين، وبرّره بالبحث عن استقرار الحكم عبر تشكيل أغلبية مريحة بين الحزبين، يرى الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي أن بعض المؤسسات المالية الدولية والحكومات الغربية سعت إلى التحالف بين نداء تونس والنهضة، والذي ليس من شأنه أن يخدم تونس وثورتها، وفق تعبيره، وأن الأزمة التي يعيشها حزب نداء تونس كانت منتظرة، وهو ما يفسّره المحلل السياسي منذر ثابت بأن مشكلة «نداء تونس» أنه نجح في الانتخابات على أساس تناقضه مع الإسلاميين، عندما وصل الأمر بالسبسي إلى دعوة الناخبين بالاختيار بين حزبه والنهضة، إلا أن قوى خارجية مؤثرة سعت بعد الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، وبعد وبعد اغتيال القيادي المعارض محمد براهمي، إلى الجمع بين حركة نداء تونس والنهضة.
وبحسب ثابت، فإن ما بات عليه الوضع اليوم هو تصدع في «نداء تونس»، أفقده القدرة على التركيز واستقطاب الأنصار، مقابل عمل دؤوب تقوم به «النهضة» للتمكن أكثر في أجهزة الدولة وبنية المجتمع.
ومن بين الأحزاب التي تكاد تكون تلاشت حزب «التكتل الديمقراطي للعمل والحريات» الذي كان حليفاً لـ«النهضة» بعد انتخابات أكتوبر 2011، عندما تولى زعيمه مصطفى بن جعفر منصب رئيس المجلس التأسيسي، وشارك عدد من قياداته في حكومة الترويكا، قبل أن ينهار الحزب نهائياً في انتخابات 2014، وفي هذا الإطار قال بن جعفر، إن حزبه قبل في مرحلة معينة أن يدخل في ائتلاف مع حركة النهضة، لكنه دفع الثمن باهظاً.
تجارب
من بين الأحزاب التي انتهت إلى الفشل الذريع بعد تحالفها مع حزب النهضة، حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» الذي انقسم بعد تحالف الترويكا إلى عدد من الأحزاب الصغيرة، من بينها التيار الديمقراطي بقيادة محمد عبو، وحركة وفاء بقيادة عبدالرؤوف العيادي، ثم تم الإعلان بعد انتخابات 2014 عن تأسيس ما سمي بحراك شعب المواطنين، وصولاً إلى الإعلان عن حل الحزب واندماجه في الحراك، ثم اتساع الأزمة بعد المعركة التي حصلت بين أعضاء المكتب السياسي لحزب المؤتمر، والتي أكدت أن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بات جزءاً من الماضي.