الجدل الذي أثاره وصول حكومة الوفاق الليبية إلى العاصمة طرابلس عبر البحر، قد يتوقّف أو يتفاعل تبعاً لمسار الأمور في هذا البلد الذي تنحره الانقسامات الجهوية والمآلات الميليشياوية، منذ سقوط العقيد الراحل معمر القذافي.

صحيح أن الحكومة بدأت عملها من قاعدة بحرية، تلافياً للصدام مع الميليشيات وموقف الحكومة غير المعترف بها، والتي تذبذب رد فعلها بين التسليم بالأمر والواقع والتشبّث بالآليات القديمة، لكن ثمة عوامل محلية وإقليمية ودولية كثيرة، ستلوي عنق المسار الليبي باتجاه مركزية الحكم وتبخير التشرذمات وتعدّد الحكومات والبرلمانات والأدوات الأمنية بما فيها الميليشيات.

دعم خارجي

كما أن للدعم العربي والإقليمي الواسع دوراً مهماً في ترسيخ المسار السلمي لحل الأزمة الليبية، يضاف إليه فرض عقوبات دولية على معرقلي اتفاق الصخيرات، ساهم في إخماد الكثير من العقبات أمام عربة هذا الحل الوحيد الذي من شأنه إنقاذ ما تبقى من ليبيا.

في العامل المحلي، من الواضح أن حكومة الوفاق تحظى بتأييد واسع من المدن والقبائل والكتل السياسية، وإن كانت بعض المناطق غير راضية بسبب عدم تمثيلها في حكومة الوفاق أو المجلس الأعلى للرئاسة، إلا أن المقولة القديمة القائلة إن «إرضاء الناس غاية لا تُدرك» لها تجلياتها في الساحة الليبية، فالمؤسسات المنبثقة عن اتفاق الصخيرات كلها مؤقتة ومسقوفة بمهلة سنتين، يجري خلالهما إعداد دستور وإجراء انتخابات.

هل تسير الأمور نحو هذه الغاية؟

عصي في الدواليب

يتضح من خلال متابعة الإجراءات التي اتخذتها حكومة الوفاق أنها تسير بهذا الاتجاه. بعض القلقين والمتحفّظين يضعون العصي في الدواليب، ويربطون كل تفصيلية بالإعلان الدستوري واتفاق الصخيرات والاعتبارات التوافقية، وفي هذا تجنّ على الواقعية السياسية، ففي ظروف معقّدة كالتي تمر فيها ليبيا، ثمة حاجة ماسة لجرأة سياسية وعملانية، فالسير للأمام بتوافق ناقص، أفضل من الدوران في المكان بحثاً عن توافق شبه معدوم. وهنا لا مفر من اتخاذ قرارات وتنفيذها، ولا مفر من السير للأمام.

فرض السلطة

على هذا النسق، وخلال أيامها الأولى في طرابلس عمدت حكومة الوفاق إلى فرض سلطتها بسرعة من العاصمة، وهذه أولى الخطوات المطلوبة لرفع السلطة نحو المركز وإبعادها عن تعددية الرؤوس. لا يستطيع أي مراقب للأزمة الليبية أن يرى ملاذاً آخر، وليس لليبيين إلا أن يعتمدوا بالدرجة الأولى على أنفسهم بعدما تركهم العالم النافذ لمصيرهم. ويبقى التعويل عليهم في إنقاذ بلادهم، وعليهم أن يتعاملوا مع السفينة التي حملت حكومة الوفاق باعتبارها سفينة الجميع نحو بر الأمان. فهذه المرحلة الانتقالية هي الفيصل الديمقراطي بين صندوق الذخيرة وصندوق الانتخاب.

ضد التقسيم

نفى القائد العام للقوات المسلحة التابعة لحكومة طبرق خليفة حفتر ما راج عن نيته تشكيل «مجلس عسكري»، مؤكداً أنه «سيدعم أي حكومة وفاق يمنحها مجلس النواب الثقة». وأضاف أن «الجيش يقف بمنأى عن الشأن السياسي».

واتهم من يسعى لتقسيم ليبيا بأنه «بائع لشرفه وعرضه»، وأن ليبيا «ستبقى وحدة واحدة، وسيدافع الليبيون الشرفاء جيشاً وشعباً عن وحدة تراب أراضيها».