ما إن تعرضت مدينة بنقردان التونسية للهجوم الإرهابي الكبير، الشهر الفائت، حتى وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خوفاً وقلقاً على هذا البلد الأخضر الذي أطلق شرارة ما يسمى «الربيع العربي»، قبل أن تتحوّل بوصلته إلى الإرهاب التكفيري وإلى حريق كبير ما زال مضطرماً في عدد من البلدان.

هذا القلق انتاب البعض الذي لم يغب عن ذهنه سيناريو اقتحام مدينة الموصل العراقية صيف 2014 حيث تهاوت قوات الجيش بطريقة دراماتيكية في لغز محير لم يفكه أحد حتى هذه اللحظة. لكن حتى هذه المقارنة تدل على أن أصحابها لا يدركون الفرق في الظروف والعوامل بين هذه وتلك.

هواجس وعوامل

فرغم هاجس الإرهاب المتمدد في ليبيا المجاورة، والوضع الصعب اقتصادياً وسياسياً وأمنياً في تونس، ورغم استحقاقات المرحلة الانتقالية التي تثقل كاهل الدولة التونسية، وبخاصة بعد انتفاضة 14 يناير2011، إلا أن بنقردان قدّمت نموذجاً متعدد الدروس في الاشتباك بين الإرهاب وحق الشعوب في الحياة والحرية. وباتت بنقردان بهذا المعنى، وبعيداً عن التناول العاطفي، نقطة ضوء يشوش مخططات الظلاميين لإنشاء موطن قدم على أرض تلفظ الظلام وتنبذ الانغلاق وتتوق للحرية والانطلاق.

ومثلما حصل في مدينة سيدي بوزيد في يونيو العام الماضي حين تصدى مواطنون عاديون لإرهابيين ولاحقوهم، تصدى أهالي بنقردان إلى جانب الدولة للإرهابيين، وكان لهم الدور الأبرز في إنهاء حلم «الولاية» في مهده.

الكثير من الحوادث الأمنية في تونس أثبت أن أهم عناصر هزيمة الإرهاب في تونس هو أنه يفتقر لأية حاضنة شعبية، وإنما هو عمل أقلية ضد أغلبية الشعب التونسي. وبهذا المعنى، فإن تبرير البعض للإرهاب بالفقر أو أية عوامل قهرية أخرى سياسياً أو اقتصادية، ليست في مكانها حين تغيب الحاضنة الشعبية، وهذه مسألة تربية وثقافة على قاعدة «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها».

حاضنة الحياة

في حالة بنقردان يتجلى المثال على أن حاضنة الحياة أقوى من حاضنة الموت الإرهابي، ففي هذه المدينة رفض والد أحد العناصر الإرهابية المهاجمة تسلّم جثة ابنه الذي قتل على يد الوحدات الأمنية والعسكرية، ولم يبكِ عليه ولم يأسف على وفاته، بل طالب التونسيين أن يسامحوه لأنه أنجبه، قائلاً «أنا أبكي وأتالم على القتلى والجرحى من المدنيين ورجال الأمن والجيش.. ولا أبكي على ابني».

وعندما تغيب الحاضنة تمتزج دماء المدنيين بدماء الجنود ورجال الأمن في معركة الذود عن الشعب والوطن، رافضين تسلل ثقافة الموت إلى بلد انتفض شعبه أكثر من مرة في التاريخ من أجل كرامته وحريته.

صحيح أن الإرهاب يحاول الاستفادة من خزانه البشري من التونسيين الذين قاتلوا أو يقاتلون في ليبيا أو سوريا والعراق، وعددهم يقدّر بحوالي ستة آلاف، لكن حتى تتحقق هذه «الاستفادة» لا بد من توفّر شروط وعوامل أهمها البيئة الحاضنة، وهذه غير متوفّرة ولن تكون متوفرة في تونس، لأسباب تاريخية لها علاقة بالتركيب الديمغرافي وطبيعة الحياة الاجتماعية والسياسية والعلاقات والمؤثّرات الدولية.

لا فسيفساء عرقية

في تونس لا توجد فسيفساء عرقية وطائفية، وهذا يقطع الطريق على أية محاولات للعب على التناقضات المتحالفة مع الجهل، وينتفي إمكان استغلال فئة سكانية في تحويل جغرافيتها إلى نقطة انطلاق ميليشياوية إرهابية تحظى بحماية وتتخذ العنوان الطائفي أو العرقي عنواناً ومبرّراً لصراع أساسه سياسي.

وهذا تجلى في بنقردان انحياز الشعب إلى الدولة في تجربتها الديمقراطية الناشئة، وهذا يشمل المختلفين سياسياً مع الدولة، لأن الأساس الجمعي انتصر لمفهوم الدولة المدنية وحكم القانون والمؤسسات، مهما اعترته عيوب ونواقص قليلة أو كثيرة، لأن هذا هو البديل الوحيد لمنطق الطوائف والميليشيات والجهات والأعراق الذي يقود للصراعات والحروب الأهلية ومسلسل الدمار والخراب والتهجير الذي آلت إليه أوضاع الكثير من دول العرب والعالم.

مجتمع مدني

وثمة عامل مهم آخر، ففي حين تغيب البيئة الحاضنة للإرهاب في تونس، تحضر بقوة منظمات المجتمع المدني، وهي ذات حضور تاريخي عريق وفي ظل كل الحكومات، بما في ذلك أيام عهد زين الدين بن علي، الذي غلبت عليه القبضة الأمنية.

هذا المنظمات الفاعلة كانت ضابط إيقاع الحركة في تونس خلال انتفاضة 2011 وكل المراحل بعدها، وساهمت إلى حد كبير بل حاسم، في تجنيب البلاد الانحراف عن خط التغيير المدني السلمي، كما حالت دون محاولات البعض تحويلها إلى دولة دينية. وليس من باب المجاملة أو العبث أن يحصل رباعي الحوار التونسي المكون من منظمات مجتمع مدني، على جائزة نوبل للسلام.

وبكلمة أخرى، أثبتت تونس أن الإرهاب ليس أمراً محتّماً بقدر ما هو عقبة في طريق الشعب يمكن تجاوزها باستراتيجيات واضحة وبتجاهل لغة التحريض وبالإصغاء إلى نبض الشعب الذي أنشد باسمه الشاعر التونسي الراحل أبو القاسم الشابي:

تسهيل

سئل رئيس حركة النــهضة راشــد الغــنوشي حول دور حكومة النهضة في التساهل مع من يريدون السفر الى سوريا، فكان رده أن كل تونسي يحمل جواز سفر ويريد الذهاب الى هذا البلد يمكنه ذلك. واعتبر مراقبون تونسيون رده دليلاً على أن هناك من سهل الأمر ودفع، من موقع حكومي، بالشباب التونسي إلى طريق الإرهاب.