ليس من السهل تجاوز نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، الذي تجذّر في العراق طيلة أكثر من عقد، وتشعب في كل مفاصل الدولة، ما يعني أن الخلافات الحالية بشأن «حكومة التكنوقراط» لا تمس سوى «القشور»، إلا إن التقليل من أهميته غير واقعي، لأن المسألة تتعلق ببداية أو محاولة خلع سلطة الحكم الديني، والتحول إلى الحكم المدني، ولابد أن يكون الصراع قاسياً، مع الأخذ بنظر الاعتبار التوافق الأجنبي، ولاسيما الأميركي – الإيراني، بشأن «محاربة الإرهاب»، وعدم إمكانية تحقيق تقدم فيها، من دون تسوية سياسية «مدنية» في العراق، وبحث كل طرف عن تحقيق أكبر قدر ممكن من المصلحة المستقبلية في هذه العملية.
إصلاحات جذرية
وتجري قيادات الأحزاب والكتل البرلمانية العراقية، منذ تسليم العبادي تشكيلته الجديدة الخميس الماضي، اتصالات ومشاورات متسارعة على إنجاز إصلاحات جذرية ومكافحة الفساد. إلا أن مصادر مطلعة تفيد أن «العبادي بات مدركاً أنه أضاع فرصة مواتية لإنجاز إصلاحٍ جدي، بالصيغة الحالية ما دفعه إلى إجراء اتصالاتٍ بقادة الأحزاب والكتل البرلمانية ودعوتها لمساعدته في تصحيح الخطأ وتدارك الفشل»، لافتاً إلى أن «خيار العبادي هذا يتمثل باعتماد العودة إلى حاضنة الكتل البرلمانية لا غيرها».
وتؤكد المصادر أن الفترة القريبة المقبلة ستشهد دخول الولايات المتحدة عبر موفدها الرئاسي بريت مكورك على خط التشاور بهدف أساس، هو الحيلولة دون المضي في مسعى الإطاحة بالعبادي، في هذا الوقت على الأقل، لافتة إلى أن «هذا ما تفعله الجارة إيران أيضاً».
الكابينة الوزارية
وترى كتلة الأحرار النيابية التابعة للتيار الصدري، أن رفض بعض الكتل السياسية للكابينة الوزارية الجديدة بحجة عدم استشارتها من قبل رئيس الوزراء، محاولة لتحجيم دور العبادي في عملية التغيير الوزاري، مشددة على أن الأخير هو المسؤول عن هذه المهمة، ومن غير الممكن أن تتدخل أي كتلة بعمله، فيما ترى كتلة الوطنية بزعامة إياد علاوي، أن رفض الكتل السياسية لمشروع التغيير الوزاري هو لأسباب تتعلق بمكاسبها في الدولة وهي من تتحمل أي تبعات وتصعيد خطير تنعكس سلباً على الشارع العراقي.
ويقول النائب عن كتلة الأحرار ميثاق الموزاني إن «جميع المعترضين على تشكيلة التكنوقراط التي قدمها العبادي يحاولون تحجيم دور العبادي في اختيار الوزراء»، مشيراً إلى أن «من غير الممكن أن تطالب جميع الكتل رئيس الوزراء باستشارتها في هذا الشأن». ويضيف إن العبادي «تمت مطالبته باختيار الوزراء الجدد، وبالتالي لا يحق لأحد التدخل بذلك، لكونه المسؤول عنه».
مكاسب فئوية
ومن جانبه يؤكد النائب عن «الوطنية» عبد الحسين عبطان، أن «رفض الكتل السياسية لمشروع التغيير الوزاري يتعلق بمكاسبها في الدولة، وهي من تتحمل أي تبعات»، معتبراً أن رفض تلك الكتل هو موقف خاطئ. ويقول عبطان إن «جميع مكونات تحالف القوى الوطنية داعمة لأي مشروع إصلاحي شأنه إنقاذ البلد من حدة الخطر والدمار التي تحيق به»، داعياً الكتل الرافضة لذلك إلى تقديم تبريرات مقنعة، «بشرط أن لا تكون متعلقة بمكاسبها وحصتها في الحكومة».
ولا يبدو موقف الأكراد متشنجاً كما كان في البداية، رغم إعلان كتلة التحالف الكردستاني تحفظها على إعلان الكابينة الوزارية الجديدة، إلا أنها تتحدث الآن عن «مشاورات تجريها القيادة الكردية لاتخاذ موقف موحّد، يتعلق بالاستحقاق الدستوري للقومية الثانية، التي لها حقوق، كما عليها واجبات».
تجاوز المحاصصة
وبالنسبة للموقف من تجاوز المحاصصة بينما يتمسك الكرد بحصتهم، أوضحت المصادر أن «القيادة الكردية تؤيد تجاوز المحاصصة الطائفية والتحول إلى بناء الدولة المدنية الديمقراطية، وهذا لا يتعارض مع استحقاق الكرد كقومية ثانية في إطار دولة اتحادية يمنحهم دستورها حقّ اختيار ممثلي الإقليم، بغضّ النظر عن طابع الحكومة ومن يشكّلها».
وشددت المصادر بالقول إن الشراكة في الدولة الاتحادية بين قوميتين أو أكثر ليست محاصصة، بل استحقاق اتحادي.
وفي هذا الصدد يؤكد نائب رئيس مجلس النواب الكردي آرام شيخ محمد ضرورة أن تحدد الكتل الكردستانية مرشحيها للوزارات في الحكومة الجديدة، مشيراً إلى أن «التشكيلة الوزارية الجديدة والتغيير الوزاري في مراحلها الأولى وستكون هناك مباحثات ومشاورات بين الكتل النيابية لبحث سبل التصويت على التشكيلة الوزارية».
ويضيف نائب رئيس مجلس النواب، إن «من المبكر الحديث عن انسحاب الكرد من العملية السياسية، لأن المفاوضات والاجتماعات في مراحلها الأولى وسننتظر لحين انتهاء هذه المباحثات لتقرير موقف الكرد».
مزيد من الحوار
ويؤكد المستشار الإعلامي بمكتب رئيس إقليم كردستان كفاح محمود، أن القوى السياسية الكردستانية موحدة في رأيها بشأن تأييد خطوات الإصلاح ومحاربة الفساد في العراق، مشدداً على أن تلك الخطوات يجب أن تتم بمشاركة فعلية من قبل جميع مكونات العراق وبخاصة كردستان. ويرى «ضرورة إجراء المزيد من الحوارات والمناقشات المعمقة مع كل الكتل لإيجاد سبل صحيحة في تشكيل حكومة وطنية تقوم بمهامها في هذه المرحلة الحرجة».
إقناع
عقد رئيس مجلس النواب سليم الجبوري أمس، اجتماعاً مع قادة الكتل السياسية لبحث ملف الإصلاحات والتعديل الوزاري، في محاولة لإقناع الكتل المعترضة على كابينة العبادي. وسبق أن اتفق الجبوري مع رئيس الحكومة على تغيير شامل للحكومة مع دمج لعدد من الوزارات. بغداد – الوكالات