على مسافة أقلّ من شهرين من دخول الشغور الرئاسي في لبنان عامه الثالث وعلى وقع الحراك الدولي، يولي اللبنانيون والمسؤولون قدراً من الاهتمام للانتخابات البلدية التي يبدو أن قطارها على السكّة وليس ثمّة ما يمنع إجراءها، على ما يؤكد رئيس مجلس النواب نبيه بري دوماً. ووفق مصادر مطلعة، يُنتظر أن يشهد الحراك الشعبي البلدي والاختياري مزيداً من التفعيل في الفترة المقبلة.

وفيما تعرّف الانتخابات البلدية في لبنان على أنّها استحقاق العائلات السياسية، تتداخل في هذا الاستحقاق الأدوار السياسية والحزبية والعائلية على نحو معقّد أحياناً وأكثر تعقيداً في أحايين أخرى، بحيث يمكن لقوّة سياسية تتمتع بشعبية في هذه البلدة أو تلك أن تخسر في الانتخابات البلدية بفعل بعض التحالفات الذي يتقدّم فيها العائلي على السياسي في أغلب الأحيان.

وأوحت المواقف المعلنة للقوى السياسية والحزبية بأنّ القرار السياسي قد اتخذ بإجراء الانتخابات البلدية والاختيارية في موعدها، وألّا عوائق ماثلة في طريق إتمام الاستحقاق، وعلى هذا الأساس بدأت وزارة الداخلية بمراحل الإعداد ودعوة الهيئات إلى شهر الحسم البلدي والاختياري في مايو المقبل.

مخاوف تعطيل

وفي موازاة المواقف السياسية يبقى المواطن مسكوناً بالحذر من لعبة تعطيل تحت الطاولة، تتكرّر معها تجارب التمديد السابقة في بعض المؤسّسات، وتكشف بالتالي أن كل التحضيرات للاستحقاق البلدي والاختياري لا تعدو كونها حبراً على ورق.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت عن قرار تثبيت مواعيد إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية، والانتخابات الفرعية في قضاء جزين بين 8 و29 مايو. ولم تكن عن عبث إشارة الوزارة إلى صدور مرسوم بفتح اعتماد قدره 31 مليار ليرة، بهدف تغطية نفقات إجراء الانتخابات، ذلك لأنّ السلطة برمتها تدرك أنّ تأكيداتها الموثقة على إجراء الاستحقاق البلدي في موعده ليست كافية ليصدّق اللبنانيون أنّ صناديق الاقتراع ستُفتح، ولكون حراك أهل البلديات لا يزال خجولاً، فيه الكثير من التردّد والخوف.

جديّة قرار

وإن كان وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق أكّد جدية توجّه الوزارة نحو إجراء الانتخابات البلدية في مواعيدها، فإنّ العبرة تبقى في جدية القرار السياسي وترجمته في صناديق الاقتراع، لاسيّما أنّ القوى السياسية التي تعكس مواقفها المعلنة، حماسة لديها واستعدادات لإجراء الانتخابات وكأنها حاصلة حتماً، فإنها تبدو في الوقت نفسه منقسمة على ذاتها بين فريق يراها مؤكدة في مواعيدها وآخر ما زال يتعاطى بحذر مع الاستحقاق، ويوحي أن المسافة ما بين إجراء الانتخابات وعدمه هي نفسها.

ولأنّ العذر الأمني، الذي اختبأت خلفه السلطة السياسية، يبدو هذه المرة غير ضاغط، على اعتبار أن الاستحقاق البلدي سيجري على مراحل ما يخفّف من عبء التحدّي الأمني والاستعانة بالقوى الأمنية لتغطية الاستحقاق على كامل الخريطة اللبنانية، فإنّ الوزير نهاد المشنوق يصرّ على تقديم الإثبات تلو الآخر على أنّه يقوم بواجبه على أكمل وجه، وأنّ «أمّ الوزارات» جاهزة لأداء الاستحقاق بكل ما يستلزم من تحضيرات لوجستية وإدارية وأمنية لتجديد عروق المجالس البلدية والاختيارية كي لا تنضمّ إلى قافلة المؤسّسات المطعون بشرعيتها.

معطيان وتسريبات

ثمة معطيان واضحان أنّ وزارة الداخلية جاهزة لإتمام المهمّة، والقوى المسيحيّة تبدي حماسة لافتة حيال هذا الشأن. وفي البانوراما البلديّة: تيار المستقبل مع الانتخابات، إذ يؤيّد رئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب وليد جنبلاط، فيما يدرس حزب الله خيارات إجراء هذه الانتخابات، هذه البانوراما البلدية يصعب فصلها عن مسار الانتخابات الرئاسية والأزمة الحكومية وغياب التشريع. أما المعطى غير الواضح، فتشير إليه التسريبات ومفاده أن آخر الهيئات المنتخبة في لبنان 2010، أي المجالس البلدية والاختياريّة ستواجه خيار التأجيل كما الرئاسة الأولى، وبالتالي التمديد كما مجلس النواب، إذا رسى القرار السياسي على تأجيلها حتى منتصف 2018 كما يتردّد، بما يؤدّي إلى الإبقاء على 1018 بلدية على حالها، وتأجيل البتّ في مصير أكثر من 45 بلدية تمّ حلّها، وتأجيل الانتخابات في 14 بلدية مستحدثة.

وفي مقاربة بسيطة بين الدوافع المشجّعة لخوض غمار الاستحقاق وتلك المتحمّسة لدفنه تحت تراب التمديد، تظهر بوضوح أنّ الكفّة قد تميل لصالح الأولى عبر دفع القوى السياسية إلى التعامل مع الانتخابات البلدية على قاعدة «شرّ لا بدّ منه».

مطالب ونفي

وسط هذه الأجواء، تردّدت في الساعات الماضية معلومات مفادها أن رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري طلب من رئيس مجلس النواب نبيه بري تأجيل الانتخابات البلدية ثلاثة أشهر، إلا أن طلبه قوبل بالرفض. ولكن بعد أن لمس الحريري تململ أنصاره خلال جولته في المناطق المحسوبة على تياره كما تردّد، عاد ووافق على التأجيل لمدة سنتين بمباركة النائب وليد جنبلاط الذي يخشى تداعيات الاتفاق المسيحي - المسيحي على الصعيد البلدي في مناطق جبل لبنان. في المقابل، نفى المكتب الإعلامي للرئيس الحريري الخبر، مؤكداً أن الموقف الثابت للرئيس الحريري هو موقفه المعلن مراراً وتكراراً بضرورة إجراء هذه الانتخابات في موعدها.

إضاءة

تسود الأجواءَ السياسيةَ موجةُ توافق وتقارب كبيرين بين قوى 8 و14 آذار على ضرورة إجراء الانتخابات البلدية في موعدها المحدّد على غرار انتخابات العام 2010 على الرغم من مطالبة عدد كبير من النواب بتأجيل الاستحقاق حينها. جدير بالذكر أنّ ولايات المجالس البلدية والاختيارية التي انتخبت في العام 2010 تنتهي في 31 مايو المقبل.