على مدار السنوات الخمس الماضية، فرّ ما يقرب من 4.8 ملايين سوري من الصراع في بلادهم عن طريق عبور الحدود إلى الأردن ولبنان وتركيا.
وبينما تتواصل الحرب، تقوم الدول المجاورة بإغلاق حدودها. وبعد اضطرارهم لمغادرة ديارهم بسبب القصف الجوي والقتال على جبهات متعددة، لا تجد الغالبية العظمى من طالبي اللجوء السوريين الآن سبيلاً قانونياً للفرار.
وتوصل قادة الاتحاد الأوروبي بشق الأنفس إلى اتفاق مع تركيا يهدف إلى إنهاء أزمة الهجرة التي تتصاعد منذ العام الماضي، والتي شهدت في الأسابيع الأخيرة معضلة عشرات الآلاف من المهاجرين واللاجئين الذين تقطعت بهم السبل في اليونان. لكن هذا الاتفاق يغض الطرف عن حقيقة أن أعداداً أكبر من طالبي اللجوء ما زالوا عالقين في سوريا، وغير قادرين على الوصول إلى بر الأمان..
مع العلم أنّ السوريين الذين يأملون في التقدم بطلبات للحصول على حق اللجوء في أوروبا ينبغي عليهم أولاً الوصول بأنفسهم إلى هناك. وأغلقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي سفاراتها في سوريا في بداية الصراع، وحتى سفاراتها وقنصلياتها في الدول المجاورة تتردد في البت في طلبات التأشيرة واللجوء.
عندما اندلعت الحرب في سوريا في مارس 2011، كان من السهل نسبياً على معظم اللاجئين مغادرة البلاد في البداية. وتدفق عشرات الآلاف من الذين لم يتيسر لهم السفر جواً في موجات عبر الحدود البرية إلى الأردن ولبنان وتركيا. ولكن تم فرض قيود على تلك الطرق الواحد تلو الآخر، أو إغلاقها تماماً.
أغلق الأردن حدوده أمام الغالبية العظمى من السوريين في سبتمبر 2014، ولكن لا يزال الكثيرون منهم يصلون إلى هناك. وازدادت أعداد السوريين الذين تقطعت بهم السبل عند نقاط العبور بالقرب من الركبان بشكل مطرد منذ شهر يناير الماضي ووصلت الآن إلى أكثر من 37000.
وكان لبنان محطة تحظى بشعبية، وكان من السهل دائماً عبور الحدود اللبنانية، ومن هناك، كان اللاجئون السوريون الذين يملكون المال يستطيعون إما السفر بالطائرات أو السعي إلى الوصول بالقوارب إلى تركيا – التي يُنظر إليها على أنها أفضل بوابة للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا نظراً لقربها من اليونان وحقيقة أنهم لا يحتاجون إلى تأشيرة دخول للوصول إلى هناك.
لكن لبنان أنهى سياسة الباب المفتوح التي كان يتبعها مع السوريين في يناير 2015 عندما فرض لوائح تنظيمية جديدة تتطلب منهم تقديم طلبات للحصول على تأشيرات يصعب الحصول عليها أو تحديد كفيل لبناني قبل السماح لهم بالدخول. ثم في يناير 2016، بدأت الحكومة التركية تطلب من السوريين القادمين عن طريق البر أو البحر الحصول على تأشيرة دخول، مما يعني فعلياً استبعاد لبنان كطريق للوصول إلى أوروبا.
خيارات كئيبة
وتعتبر الخيارات الأخرى كئيبة؛ فالحدود مع إسرائيل يحكمها وجود عسكري وتحرسها الأمم المتحدة وتؤدي إلى مرتفعات الجولان، وبالتالي، لا يمكن لطالبي اللجوء تخطيها.
وشهد العراق، لاسيما منطقة كردستان شبه المستقلة، تدفق اللاجئين السوريين في العام 2013. أما الآن، فإن الإقليم يغلق حدوده معظم الوقت أمام طالبي اللجوء. كما أغلقت مصر، التي تعتبر طريق الخروج الجوي الرئيسي الآخر، أبوابها أمام السوريين غير الحاصلين على تأشيرات في يوليو 2013.
الشمال أكثر شعبية
ونظراً لوضع لافتات «ممنوع الدخول» في مناطق أخرى، أصبح الخيار البري المحفوف بالمخاطر عبر الحدود السورية الشمالية مع تركيا يحظى بشعبية متزايدة.
لكن تركيا، التي ظلت لفترة طويلة البلد المضيف الأكثر سخاءً من حيث قبول أعداد هائلة من السوريين، أغلقت آخر نقطتين لعبور الحدود الرسمية أمام جميع طالبي اللجوء تقريباً في مارس 2015. وفي الشهور الأخيرة، فرضت مزيداً من القيود على الحدود تستهدف ليس فقط تضييق الخناق على مهربي البضائع والأشخاص، ولكن أيضاً منع المقاتلين الأكراد والمسلحين مما يسمى بتنظيم داعش من عبور حدودها مع سوريا.
والآن، أصبحت مسارات الخروج الوحيدة المتبقية - بالنسبة لأولئك الذين يستطيعون تحمل نفقاتها - تشمل المعابر البرية غير الشرعية الصعبة والخطيرة التي تؤدي إلى تركيا، عادة بمساعدة مهربي البشر.
وسجلت تركيا 2.7 مليون سوري يعيشون فوق أراضيها تحت حمايتها مؤقتة (لا تعترف الحكومة بهم كلاجئين). ولكن الكثير من السوريين لا يسجلون أنفسهم لدى السلطات وقد يؤدي الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي إلى إجبار عشرات الآلاف من اللاجئين على العودة إلى تركيا من اليونان.
وكان لبنان طالب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتوقف عن تسجيل لاجئين سوريين جدد في مايو 2015، ولكن في آخر إحصاء، تبين أنه يستضيف أكثر من 1.1 مليون نسمة. وتم تسجيل أكثر من 637000 لاجئ في الأردن.
عبء الجوار
وتقر جماعات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية بأن الدول المجاورة تحملت العبء الأكبر لتدفق اللاجئين عبر الحدود بسبب الحرب الأهلية التي طال أمدها في سوريا، لكنها تصر على ضرورة توفر وسيلة آمنة للخروج لأولئك الذين يحاولون الفرار من الصراع.
وأكد الناطق باسم المفوضية أندرياس نيدهام في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية أنّ «الوصول إلى بر الأمان هو الهدف الأسمى ويجب على جميع الدول أن تتقاسم المسؤولية».
وأضاف نيدهام أن «البلدان في المنطقة وخارجها يجب أن تستمر في السماح للأشخاص الفارين من سوريا بطلب اللجوء، ولا تفرض الإعادة القسرية على أولئك الذين يسعون جاهدين للوصول إلى بر الأمان».
ولكن نظراً لاستعداد الاتحاد الأوروبي للبدء في إعادة اللاجئين إلى تركيا وعدم ظهور أي مؤشر على وجود طرق قانونية للخروج من سوريا، سيبقى المدنيون الفارون من الحرب عالقين على نحو متزايد.
* ينشر في «البيان» بترتيب مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)
