غضبٌ عارم يجتاح الشارع السعودي المتابع لمجريات محاكمة شبكة التجسس الإيرانية التي تعقد هذه الأيام في الرياض، وسط اهتمام إعلامي كبير على الصعيد المحلي، إذ عبّر ناشطون سعوديون عن سخطهم بعد تكشف معلومات مثيرة خلال جلسات المحاكمة التي يخضع لها أعضاء الخلية المكونة من 32 عنصراً «30 سعودياً، وأفغاني وإيراني».

وسيطرت المعلومات التي تنشرها الصحف المحلية من داخل قاعة المحكمة على حديث المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي على السواء، فيما تعتبر أكبر قضية خيانة تورط فيها شخصيات من شرائح مختلفة بينهم عالم سعودي متخصص في مجال الفيزياء النووية ورجل أمن وطبيب استشاري، فضلاً عن محلل اقتصادي معروف ومسؤول إداري بأحد البنوك السعودية وسعوديين آخرين تختلف مستوياتهم التعليمية والوظيفية، إلى جانب متهم أفغاني يعمل طباخاً في مطعم.

خيانة وطن

ولعل ما أثار حفيظة الكثير من المتابعين للقضية التي تشغل الرأي العام هو خيانة المتهمين الذين لا ينتمون إلى مذهب واحد للوطن الذي يحتضن الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين من شتى بقاع العالم، فضلاً عن أنّ خيانة الوطن تعتبر من الحالات الشاذة والغريبة على السعوديين المعروفين باعتزازهم بوطنهم ومكتسباتهم الوطنية وقيادتهم السياسية التي تقود العالم الاسلامي والعربي.

وكشفت مصادر صحافية عن أن جهاز المخابرات الإيرانية استعان بعنصر من «حزب الحرس الثوري الأفغاني» لزراعته في مهنة «معلم بخاري» داخل مطعم يقع بالقرب من أحد المجمعات السكنية لوزارة الحرس الوطني وهو المتهم رقم 17 ضمن الخلية لتزويد المخابرات الإيرانية بأسماء الضباط الموجودين بذلك السكن، فضلاً عن تجنيدهم سعودياً يعمل في موسم الحج للاستفادة منه في تحديد مواقع إقامة الأمراء وكبار المسؤولين خلال موسم الحج والطرق التي يسلكونها لرمي الجمرات.

ومع نهاية كل جلسة من جلسات المحكمة ونشر أخبارها في وسائل الإعلام المحلية تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي خاصة «تويتر» و«فيسبوك» بردود فعل غاضبة وساخطة على المتهمين وعلى إيران وعدائها المستحكم لكل ما هو سعودي وخليجي وعربي، ولعل من ذلك وسم بعنوان «خلية التجسس الإيرانية» شاركت فيه أطياف المجتمع السعودي على اختلاف توجهاتها الفكرية والمذهبية والثقافية.

إدراك مخاطر

ويشير الكاتب والمحلل السياسي د. حسين الزهراني، إلى أنّ «المحاكمات تحظى بمتابعة الرأي العام السعودي لأنّ السعوديين يدركون مخاطر التهديدات الإيرانية لبلادهم، ولأنّ إيران صاحبة مشروع يستهدف العالم العربي لذلك فإنها تلجأ إلى كل ما تستطيع فعله للإضرار بالأمن القومي والقطري العربي ومن بين أدواتها لذلك اللجوء إلى أساليب تجسس ووسائل اختراق ثقافية وإنشاء خلايا نائمة في دول الخليج العربي لضرب استقرارها، كما إنها ساهمت في تأسيس أحزاب سياسية تسهم في تفتيت النسيج الوطني لدوله».

نخب مثقفة

من جهته، يؤكّد الأكاديمي السعودي معاز الجفري أنّ «وجود نخب مثقفة ضمن الخلية ركز الأضواء عليها، فضلاً عن أنّ ليس كل أعضاء الخلية ينتمون إلى مذهب واحد، مما يثير الجدل في المجتمع السعودي حيث يوجد بين المتهمين وفق ما نشر طبيب استشاري في تخصص أمراض كلى الأطفال في أهم مستشفيات المملكة وهو مستشفى الملك فيصل التخصصي، ويعد من أوائل الأطباء الذين ابتعثتهم الدولة للخارج قبل 25 عاماً للمزيد من التخصص الدقيق في مجال دراسته وعمله ويتقاضى راتباً كبيراً مثله مثل من هم في درجته من الأطباء السعوديين».

ووفق ما نشر من معلومات عن أعضاء الخلية فقد تنوعت الوظائف التي يشغلها المتهمون ما بين القطاع الحكومي والخاص «طبيب استشاري، دكتور جامعي، مسؤولون في بنوك محلية، عالم فيزياء نووية، جندي بأحد القطاعات العسكرية، صاحب حملة حج في مكة المكرمة، فضلاً عن آخرين يعملون في الأعمال الحرة بالمنطقة الشرقية والمدينة المنورة».

إضاءة

بدأت المحكمة الجزائية المتخصّصة محاكمة خلية التجسّس التي ترتبط بالاستخبارات الإيرانية في فبراير الماضي، إذ وجّهت هيئة التحقيق والادعاء العام للمتهمين عدداً من التهم أبرزها الخيانة العظمى. وكشفت سجلات التحقيق عن قيام عدد من عناصر الخلية بأدوار تتعلق بتصوير مواقع عسكرية وأمنية، وإفشاء أسرار غاية في السرية تتعلق بأمن الدولة، كما وجهت لهم تهم الالتقاء بعناصر من الاستخبارات الإيرانية عقدت في السعودية وطهران والعراق، وماليزيا،فضلاً عن تسلم دعم مالي لتحقيق أهداف تُخل بالأمن.