مشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا
تحولت تونس الخضراء الهادئة، التي كانت مقصداً لستة ملايين سائح أجنبي سنوياً، إلى بلد يعاني من الإرهاب، ويواجه يومياً تهديدات جدية لأمنه واستقراره، ما جعل الرئيس الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة الحبيب الصيد يعلنان في أكثر من مناسبة أن تونس في حرب ضد الجماعات الإرهابية.
ولا يخفي التونسيون أن جزءاً من تراب بلادهم الوطني وقع تحت سيطرة المسلحين، في اشارة الى جبل الشعانبي من ولاية القصرين (وسط غرب) قبل أن تتدخل القوات العسكرية لقصف مخابئ الإرهابيين بالطائرات والمدفعية، بينما لا تزال تلك القوات تلاحق العناصر المسلحة في جبل سمامة وجبل المغيلة وجبل السلوم المتاخمة للشعانبي، في عمليات تمشيط يومية.
وفي السابع من مارس 2015 حاولت مجموعة إرهابية تابعة لتنظيم داعش السيطرة على مدينة بنقردان من ولاية مدنين (جنوب شرق) في أخطر عملية تعرضت لها البلاد، حيث حاول المسلحون بسط نفوذهم على المدينة المتاخمة للحدود المشتركة مع ليبيا.
وهو ما فسرته مصادر أمنية لـ«البيان» بمخطط ربط مناطق من الغرب الليبي وجنوب شرق تونس في إطار ولاية جديدة تربط بين صبراتة الليبية وبنقردان التونسية، مشيرة إلى أن التحقيقات توصلت الى أن مئات المسلحين التابعين لتنظيم داعش كانوا، داخل الأراضي الليبية، ينتظرون لحظة الصفر لاقتحام الحدود بين البلدين، غير أن القوات التونسية أحبطت المخطط بأكمله.
وكان الرئيس التونسي السبسي أكد في أكثر من مناسبة أن بلاده في حالة حرب مع الإرهاب، وأن هذه الحرب قد تطول، وهو ما شدد عليه رئيس الحكومة الحبيب الصيد، وفسّره الخبير الأمني علي الزرمديني عندما قال إن المعركة ضد الجماعات الإرهابية وخاصة تنظيم داعش قد تتواصل 15 عاما مقبلة.
بداية المواجهات
يجمع المراقبون على أن أولى بوادر الإرهاب في تونس ظهرت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي مع اتساع رقعة حضور ظاهرة الإسلام السياسي وتأثّرها بالثورة الخمينية في إيران، واعتمادها على فكر جماعة الإخوان المسلمين، وقد تم اتهام «حركة الاتجاه الإسلامي»، التي أصبحت فيما بعد تحمل اسم «حركة النهضة»، بالتورط في تفجيرات فنادق سياحية في سوسة والمنستير سنة 1986، وبالاعتداء على مقر شعبة التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم آنذاك) في حي باب سويقة العريق بالعاصمة تونس، في 17 فبراير 1991، وقد اعترفت الحركة بمسؤوليتها عن الحادثة معتبرة أنها نتيجة أخطاء فردية من قبل بعض شباب الحركة.
وفي حين قال راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة إن عمليات تفجير الفنادق بسوسة والمنستير كانت بتدبير من الرئيس السابق بهدف توريط حركة النهضة والقضاء عليها، نفى وزير الداخلية الأسبق، فرحات الراجحي، أن تكون تفجيرات 1987 مفتعلة من الرئيس الأسبق ولا من أجهزته، مؤكداً أن مرتكبي هذه التفجيرات هم من التيار الإسلامي، وأنه كان القاضي وقتها الذي تولى محاكمة مرتكبي هذه التفجيرات.
ويؤكد الناشط السابق بالحركة الصحبي العمري أن الشرارة الأولى لبداية النشاط الفعلي للمجموعة الأمنية السرية للحركة كانت في سبتمبر 1987 عندما انطلق النظام في محاكمة الإسلاميين على إثر تفجيرات سوسة والمنستير التي قامت بها مجموعة من أنصار النهضة، في الوقت الذي كان فيه حمادي الجبالي يتولى رئاسة المكتب السياسي للحركة، وقد خطّط للأمر شخصياً بمساعدة القيادي الراحل صالح كركر، ويضيف العمري أن احكاما بالإعدام صدرت ضد عدد من المتورطين في التفجيرات.
وأنه تولى بنفسه تهريب عدد من المتهمين الى خارج البلاد، بطلب من حمادي الجبالي، مردفا أن تحديد محاكمة جديدة للمتهمين في 17 نوفمبر 1987 عجّل بتحرّك الجهاز السرّي وبعمله على استجلاب الأسلحة من أوروبا، وتقرّر أن تتم عملية مداهمة السجون يوم الأحد 8 نوفمبر1987 لإنقاذ قيادات الحركة التي ينتظر بعضها حكما بالإعدام وإحداث رجة في النظام البورقيبي قد تؤدّي الى الاطاحة به، إلا أن أجهزة الأمن ألقت القبض على القيادي محمد شمام الذي كان يحمل قائمة بأسماء الضباط العسكريين والأمنيين المشاركين في إعداد خطة المداهمة وكشفت بالتالي أوراق العملية.
بن علي و«النهضة»
ويشير أغلب المؤرخين الى أن تلك الحادثة، كانت وراء تسريع الوزير الأول ووزير الداخلية آنذاك زين العابدين بن علي بالاستيلاء على السلطة في السابع من نوفمبر 1987، أي قبل يوم من التاريخ المحدد لانقلاب الإسلاميين، وقد أمر بن علي بالعفو العام، وبإطلاق سراح الاسلاميين وقياداتهم ومن بينهم زعيم الحركة راشد الغنوشي وحمادي الجبالي وعلي العريض الذين كان صدر في حقهم حكم بالإعدام.
كما شهد عاما 1990-1991 مواجهات بين حركة النهضة والنظام وتم ايقاف 8000 من الإسلاميين. وفي اغسطس 1992 تمت محاكمة 256 من قيادات حركة النهضة، وبحسب العميد السابق للمخابرات العسكرية العميد موسى الخلفي فإن تونس عرفت بين خريف 1990 وربيع 1991 عمليات إرهابية متعددة وخطيرة مثل الاعتداءات بماء النار والضرب واقتحام المقرات الأمنية أو مقرات الحزب الحاكم.
واستمر التصعيد حتى عملية حرق مقر الحزب الحاكم بمنطقة باب سويقة بالعاصمة، التي أفاضت الكأس، حيث تأكد النظام الحاكم من أن الجهاز السري لحركة النهضة مازال نشيطا، وهو ما يعني انهيار المصالحة بين النظام والنهضة، وتم القبض على بعض القيادات الوسطى بالجناح المدني للجهاز السري والعثور لديها على وثائق تثبت اختراق الاسلاميين للأجهزة العسكرية، ومن هناك أكدت التحقيقات تنظيم اجتماعات لقيادات من الجيش كانت بصدد الاعداد لمخطط انقلابي ضد النظام.
من «النهضة» إلى «القاعدة»
كان هدف الإسلاميين في تونس أن يسيطروا على مفاصل الدولة بالقوة، ورغم وجود قياداتهم في السجون أو المنافي، واصلوا خلال 20 عاما الإيحاء بأن المجتمع التونسي بعيد عن الاسلام، وأن التديّن مقموع في البلاد.
كما قاموا بترويج اشاعات في خارج البلاد منها فرض تراخيص مسبقة على المصلين، ومنع صلاة الفجر، واعتقال الشباب داخل المساجد، ما بث روح التمرد في بعض الشباب الذي تأثر لاحقا بنموذج تنظيم القاعدة، فبدأت سلسلة عمليات إرهابية من أبرزها عملية الهجوم على كنيس يهودي بجزيرة جربة في 11 ابريل 2002.
بعد ذلك، شهدت منطقة سليمان من ولاية نابل (شمال شرق) انطلاق مواجهات عنيفة عند الليلة الفاصلة بين 23 و24 ديسمبر 2006 لتتواصل لمدة اسبوعين بين قوات حكومية وجماعة ارهابية كانت متحصنة بالكهوف الجبلية في أول تصادم مسلح مباشر عرفته البلاد. وبحسب التحقيقات الأمنية فإن أجهزة وزارة الداخلية التونسية تلقت معلومات مفادها أنَّ ستّة مسلحين دخلوا التراب التونسي عبر الحدود الجزائرية.
وعملت المجموعة الإرهابية على تكوين تنظيم مسلّح يهدف إلى الإطاحة بحكم نظام بن علي بالقوّة، وقبل الكشف عنها، انتقلت المجموعة التي ازداد عددها ليصل إلى 20 شخصا عبر مخابئ متعددة دون الابتعاد عن الضواحي الجنوبية للعاصمة تونس، وبالتحديد في مناطق حمام الأنف والزهراء وحمام الشط، كما كثفت جهودها من أجل التخطيط لضرب منشآت حيوية ومصالح أجنبية واستهداف شخصيات تونسية وأجنبية ومحاولة قلب نظام الحكم.
إرهابيون خارج القضبان
وبعد الإطاحة بنظام بن علي في 11 يناير 2011، شمل العفو التشريعي العام أفراد المجموعة الإرهابية ومئات المساجين الآخرين ممن تأكد تورطهم في الإرهاب، وتم اعتبارهم مناضلين ضد الديكتاتورية حتى أن بعضهم حصل على تعويضات لتعرف البلاد في ما بعد اتساعا لدائرة الإرهاب على أيدي من سجنهم بن علي و«حررتهم» الثورة.
وفي هذا السياق انتقد وزير الدولة المكلف بالشؤون الأمنية السابق رفيق الشلي، العفو التشريعي العام الذي «لا تزال تعاني منه تونس» وفق تعبيره، لأنه ساهم في نشر الإرهاب في البلاد حيث قام متورطون في قضايا إرهابية برفع أسلحتهم لقتل الأمنيين والمواطنين، كما أن بعضهم التحق ببؤر التوتر والبعض الآخر تم اعتقالهم في إطار تفكيك خلايا إرهابية، حسب قوله.
انطلاقة فعلية
انطلقت العمليات الإرهابية فعليا في تونس منذ أحداث منطقة الروحية من ولاية سليانة، شمال غرب، في مايو 2011، وذلك إثر مطاردة ثلاث سيارات مشبوهة تسللت إلى التراب التونسي عبر الحدود الجزائرية قبل أن يتسلل اثنان من الإرهابيين إلى منطقة وادي الروحية وبمحاولة فرارهما نحو مدينة مكثر المجاورة تم رصدهما لتنطلق المواجهات والاشتباكات بين الارهابيين وعناصر من الجيش والحرس الوطنيين.
زمن الترويكا
وقد دخلت تونس في تلك الفترة حالة من الصراع السياسي والفوضى الاجتماعية خصوصاً مع الحديث عن محاولة حركة النهضة أخونة أجهزة الدولة عبر ما سمي بالأمن الموازي، بينما اضطرت الحكومة في أغسطس 2013 الى إعلان تنظيم أنصار الشريعة تنظيماً إرهابياً محظوراً بعد ثبوت تورطه في الاغتيالات السياسية.
وقد كان واضحاً أن حكومة الترويكا بزعامة حركة النهضة لم تسع الى مواجهة الإرهاب بالشكل الكافي، حتى أن قوى المعارضة اتهمتها بدعمه، مستدلة على ذلك بأحداث عدة منها أوامر وزير الداخلية علي العريض في سبتمبر 2012 بالسماح لزعيم تنظيم أنصار الشريعة بالفرار من مسجد الفتح بالعاصمة بعد محاصرته من قبل عناصر الأمن.
وتجاهل رسالة من شكري بلعيد طالب فيها وزارة الداخلية بحمايته، والكشف عن تحذير تلقته الوزارة من المخابرات الأميركية بوجود مخطط اغتيال محمد البراهمي قبل أيام من قتله كذلك، كما أن جهات رسمية كانت نفت في العام 2012 أن تكون هناك مخيمات لتدريب الإرهابيين في المرتفعات الغربية للبلاد.
معارك
في العام 2013، فتح التونسيون أعينهم على حقيقة مربكة، وهي سيطرة الإرهاب على جزء من بلادهم، وتحديدا في جبل الشعانبي من ولاية القصرين (وسط غرب)، حيث تمركزت كتيبة عقبة بن نافع التابعة لتنظيم القاعدة.
كما اتسعت رقعة الإرهاب لتشمل جبال الشمال الغربي في البلاد، وخاصة بولايتي الكاف وجندوبة.
تصدير الإرهاب
تعتبر تونس حالياً أكثر دول المنطقة تصديراً للإرهابيين، حيث تشير التقارير المحلية والدولية إلى وجود أكثر من ثلاثة آلاف إرهابي تونسي في تنظيم داعش بسوريا والعراق، وأكثر من 1500 آخرين ينشطون ضمن تنظيم داعش في ليبيا، كما انضمت أكثر من 800 امرأة تونسية الى التنظيم الإرهابي، بينما منعت السلطات الأمنية أكثر من 15 ألف تونسي من السفر إلى الخارج خشية التحاقهم بالجماعات الإرهابية.
وصول «الإخوان» إلى الحكم أعطى المتشددين دفعاًَ كبيراً
وصل إخوان تونس إلى الحكم في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 26 اكتوبر 2011، ما أعطى للمتشددين دفعاً معنوياً مهماً، وارتفعت الأصوات المهللة لما سمي بـ«الخلافة السادسة»، كما وردت على لسان الرجل الثاني في حركة النهضة آنذاك حمادي الجبالي، بينما راج شريط فيديو لراشد الغنوشي وهو يتحدث لبعض الدعاة السلفيين بأن الأجهزة العسكرية والأمنية غير مضمونة، وأن بإمكانهم التحرك بحرية في البلاد عبر الخيام الدعوية والمساجد ووسائل الإعلام والجمعيات.
كما نقلت تصريحات إعلامية بأن شباب الجماعات السلفية المتشددة يذكره بشبابه، ويبشّر بثقافة جديدة، الأمر الذي فسرته بعض التقارير المخابراتية بأن مشروع سيطرة الإسلاميين على الحكم في دول ما سمي بالربيع العربي كانت عبر التوفيق بين جناح سياسي يهيمن عليه الاخوان وجناح دعوي وعسكري تقوده جماعات مرتبطة بالتنظيمات المتشددة السابقة، وهو ما تبين لاحقاً سواء في ليبيا أو مصر أو تونس التي اتسع فيها حضور تنظيم أنصار الشريعة من خلال الخيام الدعوية و«الجمعيات الخيرية» والمدارس القرآنية والسيطرة على المساجد والهجوم على المثقفين وتنظيم لقاءات للدعاة المتشددين.
مثل وجدي غنيم ونبيل العوضي الذي حل في تونس في يناير 2013 ليقود حملة «حجاب الصغيرات» وقد صادف أن انتقده على شاشة التليفزيون مباشرة القيادي اليساري المعارض شكري بلعيد، فصدرت في حقه فتوى بتكفيره سرعان ما أدت إلى اغتياله بعد أيام وتحديداً في السادس من فبراير 2013، وفي 25 يوليو من العام ذاته تم اغتيال النائب بالمجلس الوطني التأسيسي ومؤسس التيار الشعبي محمد البراهمي المعروف بعدائه للإخوان المسلمين.
