بعدما ثمانية أشهر من انتشارها العشوائي في أحياء لبنان، بدأت أول من أمس نهاية أزمة النفايات. وبمواكبة أمنيّة وسياسيّة، انطلقت عمليات إزالة الأكوام المتراكمة في مختلف المناطق في بيروت والضواحي ومناطق جبل لبنان، وفق الخطّة المقرّرة ووسط ارتياح عام.
وبعدما اشتدّت حتى بلغت مشارف الانفجار، انفرجت أزمة النفايات، وانفرج معها اللبنانيون الذين عانوا الأمرّين بيئياً وصحياً على مدى 246 يوماً تحت وطأة تراكم القمامة وتعاظم محاولات عرقلة رفعها وإزالتها.
وفي المحصلة، فإن أزمة الــ246 يوماً التي اندلعت في 17 يوليو 2015 طُمِرت في 19 مارس 2016، بعد أن عزمت الحكومة وحزمت أمرها على تنفيذ خطّتها المرحليّة لمعالجتها، ونقلت الملفّ من دائرة المراوحة عند نقطة الصفر إلى بلوغ طلائع النفايات المكدّسة طيلة فترة الأزمة نقطة الطمر.
مطمر صحّي
وبدءاً من السبت الفائت، توالت أعمال رفع ونقل النفايات على متن الشاحنات إلى المطمر الصحّي في منطقة الناعمة بمواكبة أمنية، تنفيذاً لخطّة الحكومة الموقتة لحلّ هذه الأزمة، وريثما يصار إلى اعتماد خطّة للحلّ المستدام.
وسبق ذلك بدء الأعمال التحضيريّة في موقعَي التخزين الموقت للنفايات في محلّة برج حمود (الضاحية الشرقية لبيروت) وقرب مصبّ نهر الغدير (الكوستابرافا)، حيث ستنشأ خلايا الطمر الصحي الجديدة. والعمليات لا تزال جارية وفقاً لخطة موضوعة بالتنسيق مع القوى الأمنية.
وهكذا، فتِحت المطامر المقفلة لدواعٍ بيئيّة وصحيّة، بكلمات السرّ السياسيّة، ووصلت الحكومة إلى إنجاز العام، بل قد يكون إنجازها الوحيد الذي استنفرت له كل طاقاتها السياسية، وحتى الأمنية، وطغى هذا الملفّ على الواجهة الإعلامية، خلال الساعات الماضية، ولو أنه رفِع، ولو لأشهر، من التداول.
وإزاحة النفايات، بحسب مصادر مراقبة، ستكشف الوضع السياسي الرسمي أكثر. وقد أسّست الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء لمعارك كبرى ستقع بين المكوّنات الحكومية.
صفارة العمل
وفي حين طوِيت أزمة النفايات، وطوِيت معها صفحة أقلّ ما يقال فيها إنها معيبة بحق اللبنانيين، سلطةً ومجتمعاً مدنياً وشعباً، فقد انطلقت صفّارة العمل الجدّي المطلوب من المواطن والبلديات والوزارات، بإيجاد حلّ بيئي نهائي، تكون أولى خطواته اجتماعاً سيدعو إليه الوزير أكرم شهيب في الأيام المقبلة كل الجمعيات البيئيّة والمختصّين وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ويهدف إلى وضع لبنان على سكّة الوصول إلى حلّ «صفر نفايات».
وفيما أزمة النفايات بلغت خواتيمها، وفيما الحلّ لم يأتِ على قياس ما يريده جميع اللبنانيين، فإن المطلوب، بحسب مصادر متعدّدة، هو البناء على ما تحقّق بانطلاق خطوة إزالة النفايات المكدسة إلى مطمر الناعمة، باعتماد خطة الفرز من المصدر والتي تحتاج إلى المزيد من الوقت. وللخطّة بنود عاجلة تبدأ برفع النفايات من الشوارع، وتمرّ بالمواكبة الأمنية لورش المطامر، وتنتهي بالنظافة اليوميّة.
وتجدر الإشارة إلى أن إقرار الخطة سبقته مناقشات مستفيضة بين الوزراء، واتصالات واسعة مع مراجع رسمية وسياسية. والرئيس تمام سلام قاد الورشة الوزارية، بمواكبة مكثفة من الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري. وذلك بعد اقتراحات وخطط سابقة لم تسلك طريقها إلى التنفيذ بسبب شوائب اعترتها.
وكانت الحكومة تبنّت بالإجماع خطّة حلّ مرحلي على أربع سنوات لرفع النفايات، على أن تتحوّل بعدها إلى حلّ مستدام. والجلسة الماراثونية لمجلس الوزراء أقرّت سريعاً الإطار العام للخطة، إلا أن النقاش كان حول الكلفة والحوافز المالية التي بلغت 50 مليون دولار للمشاريع الإنمائية للبلدات المحيطة بالمطامر، على أن يخصّص مبلغ 8 ملايين دولار لكل بلدية قدّمت مطمراً.
أزمة النفايات في سطور
في 17 يوليو 2015، أقفِل مطمر الناعمة، وفتِح ملف «سوكلين». وبعد مئتين وستة وأربعين يوماً أعيد فتح مطمر الناعمة وعادت «سوكلين» لتجمع النفايات. 246 يوماً، عانى فيها اللبنانيون أقصى المعاناة من جراء النفايات. جرت مناقصات وسقطت.
تمّ السير بالترحيل وسقط. تراكمت النفايات رمياً عشوائياً وحرقاً عشوائياً وانتشرت الأوبئة. هدّد رئيس الحكومة بالاستقالة أكثر من مرة. اعتكف وزير البيئة محمد المشنوق، فحلّ محله وزير الزراعة أكرم شهيب. وفي المحصّلة، تمخّض مجلس الوزراء، الذي شهد الأسبوع الفائت واحدة من أطول الجلسات في تاريخ لبنان، لأكثر من سبع ساعات، فولّد قراراً كان قائماً في 16 يوليو 2015.