شرعت جامعة الدول العربية منذ بداية الأزمة السورية على مدار خمس سنوات (منذ العام 2011) في محاولة القيام بدور إيجابي لإيجاد حل سلمي سياسي في سوريا وعدم المراهنة على الحسم العسكري والعنف للوصول إلى أهداف أي من الفرقاء.

حيث حاولت في بدايات الأزمة إقناع النظام السوري بتنفيذ القرارات العربية لتجنب تدهور الأوضاع في سوريا، مروراً بإرسال مراقبين عرب في مبادرة اتسمت بالجرأة، ومروراً بتعيين مبعوثين مشتركين للجامعة العربية والأمم المتحدة للأزمة السورية «كوفي أنان» وخلفه الدبلوماسي الجزائري العربي «الأخضر الإبراهيمي»، اللذين صاغا مبادرات ونقاط عمل للحل لكنها لم تنجح.

وشاركت ودعمت عقد مؤتمري «جنيف 1» في 2012 و«جنيف 2» في 2013 للتفاوض بين المعارضة والحكومة، وكذلك «جنيف 3»، وتدعم حالياً جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، حيث قامت بالاتفاق مع الأمم المتحدة على تعيين نائب عربي له وهو الدبلوماسي المصري رمزي عز الدين.

حرص

وحرصت الجامعة على الاتصال مع جميع أطراف الأزمة دولياً وعربياً وإقليمياً والمعارضة السورية المعتدلة بجميع فصائلها في الداخل والخارج للتباحث حول مستقبل أفضل لسوريا.

لكنها مع ذلك أخفقت في إحداث أي تغيير رغم مساعيها الحميدة، لأن دائرة الصراع السوري باتت ساحة للحروب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية استغلت الفراغ السياسي والأمني في سوريا مع غياب التأثير القوي لمجلس الأمن، خاصة من الدول دائمة العضوية فيه، وعلى رأسها أميركا وروسيا، فيما كانت جهود الجامعة العربية في حدود إمكانياتها تسعى إلى الاتصال والتنسيق مع القوى الدولية الفاعلة لحلحلة التأزم المزمن في الجسد السوري.

وفي بداية الأزمة، تقدمت الجامعة العربية بمبادرة لوقف عنف النظام ضد المدنيين وتوفير الحماية لهم، فضلاً عن إقامة حوار شامل بين قوى المعارضة والنظام يسفر عن تشكيل حكومة ائتلافية يرأسها شخص مقبول من المعارضة ويعمل بالتعاون مع رئيس النظام السوري بشار الأسد لصياغة ملامح المرحلة الانتقالية على أسس التعددية السياسية، تتضمن إجراء انتخابات نزيهة وصياغة دستور جديد للبلاد لكن المبادرة تعثرت في مراحلها الأولى لعدم حماسة الطرفين لها.

وبعد استمهال الجامعة العربية لدمشق مرات عدة، تجاهلت هذه الأخيرة المبادرة وتلكأت في الرد عليها، ما دفع الجامعة لحفظ ماء وجهها وإثبات جديتها بالتهديد بتطبيق عقوبات.

وقررت 19 دولة عربية في إطار المجلس الوزاري بالجامعة العربية توقيع عقوبات اقتصادية على دمشق، تشمل وقف التعامل مع البنوك السورية وتجميد الأرصدة السورية في البنوك العربية ووقف ضخ الاستثمارات العربية إلى الأراضي السورية، فضلاً عن تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية ودعوة الدول الأعضاء إلى سحب سفرائها من دمشق.

بلاء حسن

ويقول مدير الإدارة العربية بجامعة الدول العربية سابقاً السفير علي الجاروش إن الجامعة العربية كانت تُبلي بلاءً حسناً ونجحت في أن تحظى على موافقة وثقة السلطة السورية وأطراف المعارضة السورية لحل الأزمة، وانطلاقاً من ذلك أرسلت الجامعة فريق مراقبين بقيادة الفريق السوداني الجنسية محمد أحمد مصطفى الدابي وبعضوية عدد من المراقبين العرب.

مشيراً إلى أن تراجع دور الجامعة العربية حدث مع سحب عدد من دول الجامعة لأعضاء بلادهم بالفريق، ما دفع الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي إلى الانسحاب بمن تبقى من الفريق في سوريا.

ويؤكد الجاروش أن الفريق بشهادة الجميع حقق على الأرض في سوريا الكثير من الإنجازات، مشيراً إلى أن الفريق تمت محاربته من عدد من الأطراف الإعلامية التي سبق وتعهد الفريق الدابي بأن ينهي الأزمة السورية خلال شهرين من الزمن في حال رفع هذه الأطراف يدها عن عمله.

وخلال أعمال الدورة العادية 144 (13 سبتمبر 2015)، عقدت جلسة خاصة بشأن تطورات الوضع في سوريا بحضور المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، ولخص العربي جهود الجامعة خلال هذه الجلسة عبر سنوات الأزمة الدامية التي كبدت سوريا مقتل مئات الآلاف ونزوح وتهجير الملايين.

حيث عبر عن تشاؤم الجامعة أمام مبعوث الأمم المتحدة بأنه لا تزال المعالجات المطروحة للأزمة السورية المتفاقمة عاجزة عن وقف نزيف الدماء والدمار، ولا يزال الشعب السوري يعاني المزيد من المآسي والويلات نتيجة لاستمرار هذه الأزمة .

دور غائب

فيما يرى الدبلوماسي المصري السابق السفير أحمد أبو الخير أن الجامعة العربية على مدار السنوات الخمس الماضية لم يكن لها دور فعّال في الأزمة السورية، حيث أوضح أن وجود موقف للجامعة تجاه الأزمة متوقف على توافر إرادة عامة متفق عليها من الدول الأعضاء.

ويشير أبو الخير إلى أن واقع العلاقات العربية هو الذي يملي مواقف الجامعة العربية ويدفعها للأمام أو الخلف، وهو الأمر الذي يجعل من تعامل الجامعة مع الأزمة غير صحي في الفترة الحالية؛ نظراً لوجود خلافات في الرؤى حول الأزمة، مشيراً إلى أنه ما دامت الأزمة قد تم تدويلها.

وتعنى الجامعة العربية بالأزمة الإنسانية التي يتعرّض لها النازحون واللاجئون السوريون في الدول العربية والأوروبية، حيث ترى أن الدول العربية المضيفة للاجئين السوريين لا تزال - وعلى سبيل المثال الأردن ولبنان - لديها ما يزيد على ثلاثة ملايين لاجئ ، وهو ما يفوق طاقات الدولتين.

وترى الجامعة أن العراق ومصر وتونس والسودان والجزائر وغيرها من الدول العربية تحمّلت الكثير، وبما يفوق قدراتها وإمكانياتها، كما أن الدول العربية المانحة ودول الخليج العربي قدّمت الكثير من المساعدات في هذا الشأن، وهو ما استدعى دولة الكويت إلى عقد مؤتمرات المانحين الدوليين الثلاثة لدعم الوضع الإنساني في سوريا،.

خلافات

ومن جانبه، يعتقد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن أن دور الجامعة العربية تجاه الأزمة السورية «غائب» رغم أن تناول الجامعة للأزمة في البداية كان جيداً من خلال المبادرة العربية والبيان الصادر عن مؤتمر «جنيف 1» بتاريخ 30 يونيو 2012، والذي وضع أساساً لحل الأزمة ببرنامج للمرحلة الانتقالية.

مشيراً إلى أن الجامعة قد أرسلت في ذلك الوقت مراقبين ذوي خبرة لوقف إطلاق النار من دول عدة، فضلاً عن تحركات أمين الجامعة العربية نبيل العربي في جولات للحصول على الدعم اللازم للأزمة.