يعبر خالد، بائع التحف التذكارية في وسط مدينة اللاذقية في غرب سوريا، عن الحزن والقلق لرحيل «أصدقائه» الجنود الروس الذين اعتادوا زيارة متجره وشراء الهدايا منه، ويقول «لا نريدهم أن يذهبوا، لقد أحببناهم ونريدهم أن يبقوا».
ويضيف بصوت يشوبه القلق «لا أدري ماذا يخبئ المستقبل، أشعر بالخوف بالتأكيد، ولكنني آمل من الله أن يحمي هذا البلد».
ويتابع خالد (30 عاماً) وهو يقف وسط مجموعة من التحف المصنوعة من الصدف والخشب، التي كان يقبل على شرائها الجنود الروس بكثرة يومياً، «كنّا نسعد لسماع هدير الطائرات فوق رؤوسنا، كانت تشعرنا بالأمان وبأنهم يحموننا».
ويقول خالد، صاحب الشعر الطويل، وقد ارتدى قميصاً وبنطالاً أسود إن «إحساساً صعباً» خالجه لدى سماعه خبر سحب روسيا لقواتها، وقال بتأثر «كانوا كالأصدقاء». ويشير إلى أن بعض الجنود جاءوا لوداعه قبل رحيلهم. ويقول «إنهم طيبو القلب ودمثو الخلق».
لحظات وداعية
في شارع الجمهورية التجاري وسط المدينة، يتأسف معين قاجو (39 عاماً) على مغادرة الروس، مشيراً الى أن مطعمه لقي إقبالاً كبيراً لدى «الجنود الروس وعائلاتهم لتذوق سندويشاته الشهيرة من الشاورما المشوية على الفحم».
ويروي أن أحد الجنود الروس جاء الى مطعمه قبل يومين وقال له «للأسف هذه آخر سندويشة آكلها في محلّكم لأنني سأرحل».
ويضيف «القرار كان مفاجئاً من دون شك وشعرنا بالامتعاض».
ويشعر قاجو «بالخسارة مادياً ومعنوياً»، كما يقول، فالأمر لا يقتصر على خسارة زبائنه بل يقول إن الدعم الكبير الذي قدّمه الروس «دفع بالعمليات العسكرية قدماً وعجلّ في إحراز الانتصارات».
ويتابع إن «ذهاب الروس سيؤثر بالتأكيد على حركة الأسواق، لأنهم كانوا يأتون لشراء مختلف أنواع البضائع من هنا».
وخلال حوالي ستة أشهر، اعتاد سكان اللاذقية رؤية جنود بزيهم العسكري يتجوّلون في أسواق وشوارع المدينة يأكلون الوجبات السورية التقليدية ويشترون التحف التذكارية.
صدمة
وعلق معظم أصحاب المحال التجارية في ساحة الشيخ ضاهر صوراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعلم الروسي الى جانب صورة الأسد. وتقول رابعة شاويش (48 عاماً) التي تملك محلاً لبيع الألبسة وإكسسوارات، عن خيبتها «كنت أتمنى بقاءهم، لأنهم زرعوا لدينا التفاؤل والأمل».
في منطقة الكورنيش الجنوبي المطلة على البحر، يقول الطالب الجامعي علاء السيد (22 عاماً) إن سحب روسيا لقواتها «في أوج التقدم (الميداني) شكّل لي صدمة»، متسائلاً «ما السبب الذي دفعهم إلى ذلك».
ويعبّر عن قلقه حيال مستقبل العمليات العسكرية بعد الانسحاب. ويقول «بالتأكيد كان الجيش السوري يحمي بلدنا قبل مجيء الروس، لكني أخشى من عودة الأمور الى الوراء، خصوصاً أن التقدم الكبير الذي أحرزه الجيش كان بمساندة الروس».
امتنان للروس
في حي ضاحية تشرين، يبدي طارق شعبو، صاحب مقهى «موسكو» الذي يضج بالمرتادين الشباب، امتناناً للموقف الروسي الداعم لبلاده، مؤكداً أن الحليف الروسي «لن يخذل سوريا».
ويبدي شعبو تفهماً للانسحاب الروسي، ويقول «أعلنت روسيا عن جدول زمني لمشاركتها في العمليات العسكرية في سوريا وهذا الجدول انقضى. أتموا مهتمهم وانسحبوا».
ويرى أن الروس تركوا «بنية قوية لنكمل العمل على أساسها. يكفينا الدعم المعنوي والنفسي الذي قدموه للمواطن السوري الذي شعر بأن الأمور تسير الى الأمام ولا تعود إلى الوراء».
ثقة بالجيش
ويعرب عن ثقته بقدرة الجيش السوري على «عدم تضييع المكاسب التي حصل عليها نتيجة الدعم الروسي، وسيسعى لإحراز تقدم اكبر مستفيداً من تدمير روسيا للبنى العسكرية والاقتصادية والبشرية للمسلحين».
ويرى شعبو أن «روسيا لم تتغير حيال سوريا وما زالت تساندها لكنها الآن انتهجت النهج السياسي» لحل الأزمة في البلاد. كما أنها «مهدت الطريق (للجيش السوري) في حال فشلت المساعي السياسية».
«حميميم»
منذ بدء حملتها الجوية في سوريا، اتخذت الطائرات والقوات الروسية من قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية مركزاً لها. وأعلنت قبل أيام سحب بعض القوات التي عادت إلى روسيا. وأعلنت موسكو الاثنين بشكل مفاجئ أنها ستسحب الجزء الأكبر من قواتها من سوريا بعدما «أنجزت» مهمتها، إثر تدخل جوي بدأ في 30 سبتمبر، وساهم في استعادة مناطق عدة بعضها في ريف اللاذقية.