سوريا .. هي قصّة ُ شعب أراد الحياة فلم يجن من ثورته سوى تمنّع القدر، لم يكن حصاده كما سابقيه أو لاحقيه في التمرد على الطغاة، إنّ سوريا ليست تونس التي لم يجد رئيسها المخلوع بن علي بداً من الفرار بعد 11 يوماً فقط من هيجان الشوارع في وجه نظامه، أو مصر في تجربتها التي أجبرت مبارك على التنحّي، لم تجد سوريا شبيهاً سوى نفسها فأعراف التاريخ وأبجدياته تقولان: تشابه المظالم لا يكفي لتماثل المغانم.

خمسُ سنوات مضت تحوّل خلالها حراكٌ عفويٌ خرج من بيت الطاعة مستمداً من تجارب الجيران شجاعته وقوّة دفعه إلى أكبر أزمات العصر تشابكاً وتعقيداً مستعصييْن على نزع الفتيل .. اعتصامٌ هزيلٌ لم تجاوز عدد المشاركين فيه أصابع اليدين يرتعدون خوفاً من بطش النظام وزبانيته ولم يخيّب الأسد ظنّ الثائرين، لقد انطلقت صرخات الحريّة تهز أركان دمشق وتزلزل عرشاً ثبّته القهر وأرسى دعائمه زائف الشعارات إلى أن جاء قول: «كفى».

درعا .. مهد الثورة وأيقونتها .. كفّرت ربما عن ذنب اقترفت قديماً بتصديرها كثيرين من أعمدة النظام وأركانه وكونها إحدى مناطق الأسد المدللة التي لم ينلها مصير حماة وإدلب في الثمانينيات، فكانت أيضاً أول من ثار.

كتبت على جدران مدارسها التي طالما ما كانت تحمل عبارات تمجيد الأسدين الأب والابن: «إجاك الدور يا دكتور»، متوعّدة بشّار بمصير بن علي ومبارك والقذافي، ففــــتح النظام أبواب سجونه ومعتقلاته للكل لا فرق عنده بين رجل وامرأة كهل وطفل مطلقاً أيدي جنوده وعناصر أمنه تعذيباً في المعتقلين، لم يستبق من وسيلة حتى الموبقات لوأد الحراك لكن بطشه ارتد إلى نحره بأن ألهب الحماس في نفوس الناس وزادهم يقيناً أنّ فجر الخلاص قد أوشك.

التعامل الأمني كان الأسلوب الأوحد الذي تعامل به النظام مع شعب أعزل، متخذاً من سياسة القتل الجماعي والقصف العشوائي شرعية ومنهاجاً يبقيانه سيداً على الناس، ما أفسح المجال أمام عسكرة الثورة ببدء انشقاقات في صفوف الجيش وتشكيلها «الجيش الحر» والمواجهة بالسلاح لحماية المتظاهرين من يد النظام الباطشة. لقد كان حسام عيّاش ومحمود الجوابرة أول قتيلين يسقطان خلال تظاهرات سوريا وتوالت بعدهما طوابير القتلى.

من حمزة الخطيب الصبي اليافع .. فتى لم يبلغ الحلم لكنه آمن به، إلى إيلان الذي تــــــقاذفته أمواج البحر المتوسّط إلى الشواطئ في مشهد عرّى الضمير الإنــــساني، حــــكايا كثـــيرة عن المــــوت والجــوع والخوف واللجوء.

ثارت تونس ومصـــر وليبـــيا كلٌ وجد معيناً إلى البر، وحدها سوريا غرقت من الرأس حتى أخمـــص القدمين في العنف والفوضى، الكـــل ضدها الأسد وجيشه وحــــلفاؤه وغربٌ تضاربت مصالحه في أرضها، لم تجد من نصير سوى بعض الأشقاء الذين مدّوا يد العون لأهلها بالمساعدات ومن قبلها الوقوف إلى جانب السوريين وقول لا لكل المـــجارز التي ترتكب بحق المدنيين، كان الموقف قوي والرسالة واضحة أنّ الوقوف إلى جوار الشعب.

فقد الأسد شرعيته منذ أول يوم أطلق فيه يدي جيشه وأمنه تبطشان بالناس، إلى أن فاق عدد قتلى الثورة السورية ثلاثمائة ألفاً، لكن خذلان الغرب واصطفاف الشرق «روسيا وإيران» إلى جانب الأسد أنقذه من السقوط حين أوشك لتدوّل الثورة ويقرّر مصير البلاد وأهلها في اجتماعات الروس والأميركيين.

غيّرت الحرب في سوريا سطح المشهد ليس في المنطقة التي تلظّت من اللهيب فقط بل وفي كل العالم، فأوروبا استيقظت لتجد جيوش اللاجئين تحاصر شواطئها لم ينجها من الطوفان إغلاق حدود ولا جوفاء وعود لقد وضعها الهاربون من الموت أمام الأمر الواقع.

أهمل العالم أزمة سوريا وهي شرر، إلى أن أعيت وبعد مرور خمس سنوات الطبيب المداويا، إلّا أنّ خيطاً من النور لاح في آخر النفق المظلم لإنهاء المأساة وهو التفاوض التي تحتضنه جنيف، إن استغل فربما يعيد الأمور إلى الجادة وطرق وقف النزيف وإن تسرّب من بين الأيدي فالأكيد أنّ الهدنة الهشّة ستنهار وستعود الحرب تكشّر عن الأنياب مرّة أخرى وبشكل أكثر شراسة وضراوة.