«لا يوجد من سيملأ الفراغ في سوريا بديلاً عن روسيا، فموسكو لن تغادر دمشق، وعندما تركته فإنها فعلت ذلك لإفساح المجال للعملية السياسية»، بهذه القراءة راح المحلل السياسي عريب الرنتاوي يقرأ التحول الروسي المفاجئ الذي أعلنت عنه موسكو أول من أمس عندما أعلنت عن انسحاب قواتها الرئيسية من سوريا.
ويؤكد الرنتاوي في هذا الصدد أن الاجراء الروسي يأتي على خلفيات سياسية وعسكرية. وقال في تصريح لـ«البيان» إن إجراء موسكو يأتي على خلفية التوافق الأعرض بين موسكو وواشنطن حيال الملف السوري.
دعم مسار التهدئة
وأضاف أن القرار الروسي استند إلى عدة عوامل موضوعية وسياسية منها أسس العملية السياسية ومسارات فيينا وجنيف، والتهدئة، إضافة إلى الدفع باتجاه المصالحات المحلية والحرب على داعش.
لكن المحلل السياسي الأردني في المقابل لا يلغي سبب تفاقم حدة الخلاف بين الحليفين موسكو ودمشق حول العناوين الرئيسية في العملية السياسية، وذلك كما بدا واضحاً من تصريحات المسؤولين السوريين سواء المندوب السوري في الأممي المتحدة بشار الجعفري أو وزير الخارجية السوري وليد المعلم.
وأضاف الرنتاوي: «سوريا لم تكن متحمسة للتهدئة كما أن الأسد كشف عن رغبته في الحسم العسكري وليس السياسي، وهذا ما تعارض مع توجه موسكو».
ورداً على سؤال حول من سيملأ فراغ الانسحاب الروسي من سوريا قال الرنتاوي: «ليس انسحاباً كاملاً بل إن موسكو ستبقي على قاعدة حميميم وطرطوس إضافة الى قوات مهمة»، مشيرا الى القصف العنيف الذي تعرض له تنظيم داعش بعد ساعات من القرار الروسي إضافة إلى تقدم للجيش السوري في عدة مناطق سورية.
وأردف: «روسيا لن تغادر سوريا بل ستبقي على قوتها التي تضمن محاربة تنظيم داعش، كما أنها ستحتفظ بقواتها ودفاعاتها الجوية». ويرى المحلل السياسي الأردني أن رسالة موسكو من قرارها المفاجئ هو أنها مع مسار التهدئة ميدانياً وأنها مع مسار جنيف سياسياً.
لا انعطافة
وفي المقابل اعتبر أمين عام حزب الوحدة الشعبية، سعيد الذياب، وهو الحزب الذي عرف بالوقوف مع النظام السوري، أن الانسحاب الروسي هو جزئي ولا يشكل انعطافة في العلاقة الروسية السورية مشيرا إلى أن الدور الروسي الفاعل سيستمر في سوريا.
فيما طالب الخبير في الشؤون السورية والإيرانية الدكتور نبيل العتوم الانتظار خلال الأيام المقبلة فهي مليئة - على حد وصفه - بالتطورات، لأن حيثيات الانسحاب الروسي لغاية الآن ليست واضحة.
صحيح أن قرار الانسحاب الروسي من سوريا مفاجئ للجميع، سواء مراقبين وأطراف الصراع، إلا أن ذلك لا يعني بالنسبة إلى أمين عام حزب الوحدة الشعبية انسحاباً من الملف السوري وقال: «هو انسحاب جزئي لن يشكل انعطافة حادة في العلاقة الروسية السورية»، مشيرا الى أن الدور الروسي الفاعل في الأزمة السورية ودعمهم سيستمر في هذا الموضوع.
ووفق الذياب، فإن هذا الانسحاب يمكن أن يكون دلالة على نوع من التباينات التكتيكية بين القيادتين الروسية والسورية، لكنها باعتقادي لا ترتقي إلى تحول كامل في السياسة الروسية.
نتائج مؤثرة
إلا أن أستاذ العلوم السياسية الدكتور نبيل العتوم قال لـ«البيان» إنه إذا كان الانسحاب الروسي جديا فستكون له نتائج مؤثرة في الأرض في سورية.
لكن د. العتوم طالب في المقابل بإعادة تعريف الانسحاب الروسي، وسأل: هل هو إعادة انتشار للقوات الروسية في ظل ما أعلن عنه الرئيس بوتين أن القوتين الجوية والبحرية ستبقيان في سوريا، وهما تشكلان القوة الغالبة لروسيا في مكافحة ما يسمى بحركات المعارضة المعتدلة؟
ونوه د. العتوم ان المشكلة تكمن في حيثيات القرار الروسي أنه جاء مفاجئا للكثيرين، ولنظام بشار الأسد نفسه الذي أعلن مباشرة عقب إعلان الرئيس الروسي، أن الاتفاق على انسحاب القوات الروسية تم مع الحكومة السورية.
وتابع: «في اليوم التالي أعلنت روسيا على لسان وزير خارجيتها أن الانسحاب تم بقرار مباشر من بوتين، بمعنى عدم التنسيق مع القيادة السورية، وذلك يُنبئ عن وجود مشاكل ربما قد تكون مستفحلة في العلاقات الروسية السورية، خاصة فيما يتعلق منها بتعنت بشار الأسد في محادثات السلام في جنيف».
ولم يستبعد العتوم نجاح روسيا بهدف خطير على حد وصفه قائلا بأن تكون بالفعل قد دمرت المعارضة السورية المعتدلة وعمدت إلى تقوية الحركات الراديكالية التي في مقدمتها حركة داعش، لجعل المجتمع الدولي يوازن بين خيارين؛ إما نظام بشار الأسد وإما داعش.
إجراء غامض
عسكريا، ينظر الخبير الأردني د. فايز الدويري إلى الإجراء الروسي بأنه غامض وأن من المبكر الحديث عن الأهداف الروسية في سوريا عقب قرار الرئيس فلاديمير بوتين بالانسحاب من سوريا. ويقول الخبير العسكري الأردني د. الدويري في تصريح لـ«البيان» إن الإجراء الروسي مفاجئ ويحتاج إلى وقفة طويلة في انتظار الإجراءات على الأرض.