استغلت بعض الكيانات السياسية العراقية فتوى المرجع الديني علي السيستاني المعروفة باسم «الجهاد الكفائي» وأزاحتها عن سياقها الذي أراد، وهو تحرير مدينة الموصل وإيقاف زحف تنظيم داعش في العام 2014 وقامت بإخراج ميليشياتها التي كانت تستقوي بها لتحقيق مصالحها إلى العلن، وباتت عمليات العنف والتفجيرات والاغتيالات والترهيب التي كانت تنسب إلى جهات أخرى، يقال إنها ضد «العملية السياسية» تمارس علناً، وبعد أن كانت بغداد تستحق لقب عاصمة الموت «السري» أضحت الآن جديرة بلقب مدينة الموت «المجاني».

فجأة، ظهرت إلى العلن تلك «الميليشيات»، لتنتحل اسم «الحشد الشعبي»، الذي تشكل من مجموعة الميليشيات، التي ترشح المتطوعين، وتقبلهم وفق الولاء لها، واتضح في العلن أن كل العمليات التي كانت تنسب إلى «مجهول» هي من فعل تلك الميليشيات، التي تمثل أحزاباً متنفذة في السلطة، وفي أحيان كثيرة كانت هي السلطة، التي تمنع قوانينها وجود أجنحة مسلحة للأحزاب السياسية.

ويثير استياء الإعلاميين المستقلين، الصمت الإعلامي المحلي والعربي والدولي، على ما كان يجري في بغداد العاصمة، وفي الكثير من المدن العراقية، فلا يعني شيئاً نشر خبر عن مقتل شخص هنا وآخر هناك، أو حتى العشرات في اليوم الواحد، واختفاء عوائل بالكامل، من مناطق معينة، لأسباب طائفية لا أكثر.

جزء من الحياة اليومية

يقول الإعلامي ساهر عبدالله إن الأخبار عن مقتل شخص أو خمسة أو أكثر، أصبحت لا تعني شيئاً، ولا تثير الكثير من الاهتمام، لأنها جزء من الحياة اليومية، ويعرف العراقيون جيداً أن تلك الميليشيات هي من تقوم بذلك، بدعم أو بغض نظر من الأجهزة الأمنية.

وفي مناطق معينة، تداهم قوة مسلحة، بآليات كثيرة، بيوتاً وعوائل، بدعوى «الاشتباه»، وتنقل العوائل إلى جهات مجهولة، وعند الاستفسار عنها، تقول السلطات إنها لا علم لها بما حدث، ولا تعرف الجهة التي قامت بالعمل، ثم تسجل هذه العمليات ضد مجهولين.

ويخلص ساهر عبدالله إلى أن بغداد، بشكل خاص، أصبحت مدينة للموت السري، حتى جاءت فتوى «الجهاد الكفائي»، ليصبح الموت علنياً وبالمجان ولا أحد يمس الجناة، لأنهم أصبحوا «رسمياً» تحت جناح ما يسمى «الحشد الشعبي»، الذي تقود فصائله ميليشيات معروفة بطائفيتها ودمويتها.

ويضيف أن ذهاب الإعلامي، من غير أجهزة السلطة، إلى أي دائرة حكومية، أصبح يعني تعرضه للأذى، وحتى الاختطاف والإخفاء، ما جعل صوت السلطة الحاكمة هو الوحيد في الساحة، وفي حال نشر أخبار عن قتل لا يذكر الاسم، وفي الغالب تكون الجثث في الشوارع «مجهولة الهوية».

جذور ممتدة وتفاصيل مروّعة

الميليشيات الطائفية، بكل جرائمها كانت موجودة قبل سقوط الموصل وإعلان «الجهاد الكفائي»، الذي استغلته لتطلق يدها في العلن، وأصبحت مدعومة رسمياً ومادياً من السلطة، وعملياً وتسليحياً وإدارياً من إيران.

ويؤكد المتابعون للشأن العراقي أن التنظيمات السياسية الطائفية والميليشيات المدعومة من إيران، بذلت وتبذل جهوداً كبيرة، منذ الاحتلال في العام 2003 لحد الآن، إلى التطهير الطائفي في نقطتين حساستين، هما حزام بغداد ومحافظة ديالى المحاذية لإيران، التي تسعى لإبعاد أي وجود سنّي عن حدودها.

ويقر المسؤولون في محافظة صلاح الدين هذه الحقيقة، ويقولون إن تفاصيل مروعة بدأت تتكشف في مدينة تكريت، مورست من قبل الحشد الشعبي، الذي يعد منظومة موازية أو رديفة للمؤسسة العسكرية العراقية، حيث تحولت المدينة إلى مسرح لأعمال انتقامية كالنهب والسرقة التي قامت بها عناصره بعد طرد مسلحي داعش، كما تم إحراق مئات المنازل والمحال التجارية.

وبحسب رئيس مجلس محافظة صلاح الدين أحمد الكريم، فإن «الغوغاء أحرقوا مئات المنازل، وتم نهب المحال التجارية أمام أعين قوات الأمن الحكومية التي كانت تخشى مواجهتهم.. لقد احترقت مدينتنا أمام أعيننا».

جرائم حرب

وذكرت تقارير لمنظمات حقوقية دولية أن بعض المناطق التي داهكتها ميليشيا الحشد الشعبي تعرضت لانتهاكات، قد يرقى بعضها إلى جرائم الحرب، كما أشارت إلى أن هناك هجمات على عدة مدن عراقية بدت وكأنها في إطار حملة تنفذها ميليشيات الحشد من أجل ترحيل السكان من أماكن سكناهم.

كما صدرت تصريحات لمسؤولين أميركيين، أبرزها تصريح لمدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية السابق ديفيد باتريوس أشار فيه إلى أن «خطر ميليشيات الحشد الشعبي أكبر من خطر داعش»، بسبب هول الفظاعات التي ارتكبتها بحق المدنيين.

وتتطابق روايات شهود عيان في أن قوات الحشد تتعامل مع السكان في المناطق التي تنفّذ فيها عمليات دهم وتطهير على أنهم «دواعش بالنوايا»، إلا أن الحكومة العراقية تلقي باللائمة على ما سمتها «عصابات» ترتكب جرائم لتنسبها إلى قوات الحشد الشعبي التي تعمل تحت منظومة الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية «شكلياً».

طلب حماية دولية

هذه الفظائع دفعت بعض القوى السياسية إلى التقدم بطلب رسمي إلى بعثة الأمم المتحدة، لتوفير الحماية الدولية والتهديد برفع دعاوى قانونية ضد المسؤولين والمنظمات، والميليشيات التي ارتكبت الانتهاكات الطائفية.

كما دفعت الانتهاكات المتكررة لميليشيات الحشد الشعبي في محافظات صلاح الدين وديالى والأنبار وغيرها، بالسياسيين إلى مطالبة المرجعية الشيعية بحل الميليشيات التي أمرت بتشكيلها سابقاً.

ونشر بيان لتحالف القوى العراقية يؤكد استكمال الإجراءات الشكلية والقانونية لاستجواب رئيس الوزراء حيدر العبادي برلمانياً، محملاً إياه المسؤولية باعتباره «القائد العام لهذه الميليشيات»، المجاهرة بولائها لطهران.

وهذا ما دفع المجتمع الدولي إلى المطالبة بوضع حد للتصرفات الطائفية البغيضة للحشد الشعبي، بعد أن انكشف مخطط هذا الحشد الطائفي في تهجير سكان بعض المناطق من مناطقهم في تغيير ديمغرافي متعمد، خطط له في إيران، الداعم الأولى لهذه الميليشيا.