لم يكفها التدخّل في سوريا عسكرياً وما أثاره من جدل متفجّر في خطوة أنقذت نظام الأسد الذي كان على شفا السقوط يترنّح، لتخرج روسيا وفي المشهد هدنة هشّة ومفاوضات على بعد أيام، بتصريح جديد عن «سوريا فيدرالية» تتمناها ربما، أمرٌ وجد سخطاً كبيراً من المعارضين السوريين، لما يرون فيه من شبح تقسيم يهدّد وحدة البلاد.
لعل تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف والتي تأتي على بعد أيام قلائل من استئناف المفاوضات والتي أعرب فيها عن آمال بلاده في توصّل الفرقاء إلى فكرة تأسيسي «سوريا فيدرالية»، تهدف وفق مراقبين ومحلّلين سياسيين تخويف تركيا، فيما رأى فيها آخرون ضغطاً لتعزيز الوجود.
وكشف المعارض السوري عبدالمجيد حمو أحد أعضاء وفد المعارضة في جنيف، أنّ «هيئة التنسيق الوطنية السورية التي تمثّل معارضة الداخل بعثت برسالة إلى وزارة الخارجية الروسية تستفسر فيها عن مدى جدية تلك الدعوات، حيث طالبت من الروس تفسير ذلك الموقف ومدى مسؤولية الخارجية الروسية عنه».
لاسيما وأن هناك رفضاً واسعاً لتلك الفكرة من قبل السوريين. وأفاد عضو هيئة التنسيق في تصريحات لـ«البيان»، أنّ «المقترح الذي طرحه الجانب الروسي ليس في محله وغير مناسب»، معتبراً أنّه نوع من الضغط لتعزيز الدور والوجود الروسي.
وأكّد حمو أنّ هذا المقترح المنادي بجمهورية فيدرالية في سوريا يضع السوريين أمام شبح التقسيم الذي يرفضونه السوريون وينادون بوحدة أراضي البلاد، ويعتبر أسوأ الحلول الخاصة بمستقبل سوريا.
تخويف تركيا
بدوره، فسَّر المنسق العام لهيئة التنسيق السورية حسن عبدالعظيم، لـ«البيان»، تصريحات روسيا بأنّها موجّهة في الأساس من أجل تخويف تركيا ومن باب الضغط على حكومة أنقرة لوقف عملياتها في شمال سوريا، لأن وجود دولة فيدرالية سيشجع الأكراد على المطالبة بدولتهم، وبالتالي فإن روسيا قصدت من الحديث عن الفيدرالية دفع الجانب التركي للقلق ومن ثمّ التوقف عن أي أعمال قصف.
واعتبر عبدالعظيم أن هذه التصريحات محاولة للرد على الخطة «ب»، التي أعلن عنها وزير الخارجية الأميركي جون كيري، لافتاً إلى أنّ «كل الاتفاقات الدولية والمؤتمرات أكدت في نتائجها على وحدة الأراضي السورية ولم يتم التطرق إلى مسألة التقسيم على الإطلاق باعتبارها أمراً مرفوضاً.
تغيّر معادلة
إلى ذلك، شدّد المعارض السوري المقيم في موسكو الباحث المختص في العلاقات العربية الروسية د. محمود الحمزة في تصريحات لـ «البيان»، على أنّ تصريحات موسكو الأخيرة تؤكّد موافقتهم على دولة اتحادية فيدرالية في سوريا وهو مطلب الأكراد في الأساس.
كما أنّهم لا يستبعدون تقسيم سوريا رغم التصريحات الروسية على مدى الأعوام الماضية باهتمام موسكو بوحدة الأراضي السورية، مشيراً إلى أنّ «المعادلة قد تغيرت بالنسبة إليهم الآن، لاسيما مع إيمانهم بأن القصف الجوي لم يثمر النتائج التي كانوا يتوقعون.
وأبان أنّ «الحديث عن الخطة «ب» والتدخّل البري السعودي التركي في سوريا أزعج موسكو، لأنّه لو حدث ستكون روسيا عاجزة عن فعل أي شيء، ومن ثمّ دفعت روسيا بفكرة الفيدرالية، لافتاً إلى أنّه كان معروفًا منذ البداية أنّ موسكو لو فشلت في تثبيت نظام الأسد فإنها ستسعى من أجل إقامة دويلة له في اللاذقية تكون قاعدة روسية في الشرق الأوسط.
في المقابل، يرى عضو لجنة مؤتمر القاهرة المعارض السوري صالح نبواني، أن «الحديث الأهم في الوقت الراهن والذي يجب تضافر الجهود السورية من أجله هو بحث سبل إنهاء الأزمة، ووقف آلة القتل والدمار التي تعاني منها سوريا منذ خمسة أعوام، ومن ثمَّ التفكير في الحلول المناسبة لمستقبل سوريا، وشكْل هذا المستقبل بما يقره السوريون أنفسهم ولا يُفرض عليهم من أي دولة».
تغيير ديموغرافي
في السياق، يشير المفكر السوري المعارض د. برهان غليون إلى أنّ «روسيا تريد أن تفرغ البلاد من أجل ضمان سيطرة سلطة الأسد المتهاوية، وفتح الباب أمام طهران لتحقيق مخططها الطائفي الهادف لتغيير الطابع الديموغرافي والديني في سوريا».
موضحاً أنّ «المجتمع الدولي بأكمله يعترف بأن التدخل العسكري والسياسي الروسي أبعد فرص السلام بمقدار ما فاقم من محنة السوريين الإنسانية، ووسع دائرة القتل الجماعي المجاني للمدنيين وتدمير المدن والقرى وتهجير مئات آلاف السوريين الجدد ودفعهم إلى البحث عن اللجوء إلى المجهول.
إضاءة
طرحت روسيا فكرة الفيدرالية، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الروسية سبوتنيك عن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، في مؤتمر صحافي عقده في موسكو.
وقال ريباكوف إن:«روسيا ترى إمكانية اتفاق المشاركين في المحادثات السورية على إنشاء جمهورية فيدرالية، في حال رضيت جميع الأطراف السورية بهذا النموذج». وأضاف المسؤول الروسي لا أستطيع تقييم فرص إقامة دولة فيدرالية في سوريا، لأن تحديد معالم سوريا المستقبل لم تبدأ بعد.