تقف تونس اليوم، وهي أبرز دول «الربيع العربي» التي حافظت على انتقال مسارها الديمقراطي بعيداً عن الفوضى والعنف، أمام منعطف خطير يعيد إلى الأذهان الأحداث التي تلت ثورة 17 ديسمبر، حيث وصلت حركة النهضة إلى الحكم بخطاب سياسي «مرن»، مستغلة الفراغ السياسي والانفلات الأمني في البلاد.
رئيس البلاد الباجي قايد السبسي، الذي نجح في توحيد عدد كبير من الفصائل العلمانية المتنافسة تحت راية «نداء تونس» قبل انتخابات 2014، وحقق فوزا كبيرا في وصول حزبه إلى الرئاسة والسيطرة على البرلمان وقيادة الائتلاف الحاكم، بدأ يفقد سيطرته على زمام الأمور نتيجة تصدع حزبه.
«نداء تونس»، الذي تأسس في 2012 لمواجهة الإسلاميين يصارع أزمة تعصف بوحدته، وهي تمهد الطريق لصعود حركة النهضة، التي لا تخفي محاولاتها في العودة إلى الحكم، تحت شعارات «الانفتاح» على مختلف قوى المجتمع المدني، والتي أصبحت الكتلة الأكبر في مجلس النواب بـ 67 مقعداً، بعد أن تقلصت مقاعد «نداء تونس» من 86 مقعداً إلى 54 مقعداً.
كذلك، استفادت «النهضة» من أزمة «النداء» في العودة إلى الساحة السياسية بقوة، وحققت تمثيلا أكبر في تشكيلة حكومة الحبيب الصيد.
ويرى مراقبون أن تناحر شقين على مواقع القرار داخل «نداء تونس» يمثل فرصة ذهبية لحركة النهضة، التي أعلنت سعيها إلى تشكيل «حزب وطني يتميز بالمواءمة بين الإسلام والديمقراطية»، على حد وصفها، في محاولة منها للاستفادة من هشاشة الأحزاب العلمانية في البلاد.
ويقول علمانيو تونس إن أزمة «نداء تونس» أجهضت آمالهم في مشروع علماني طموح يقطع الطريق أمام عودة النهضة للحكم، ويشددون على أن تفكك الحزب سوف يهمش مختلف القوى العلمانية السياسية.
استقالات «نداء تونس» تصعّب مهمة الحكومة وتربك مجلس النواب، إذ تأتي في وقت تعاني البلاد ضغوطا اقتصادية وأمنية كبيرة، فهي تصارع التنظيمات المتطرفة المنتشرة في مناطق متفرقة من أراضيها، وتتأهب لصد الأخطار القادمة من الأراضي الليبية .
حيث يقترب تنظيم «داعش» من حدودها، فيما تسجل البطالة معدلات قياسية، ولا يزال النمو الاقتصادي شبه معدوم، بسبب انهيار قطاع السياحة جراء الهجمات الإرهابية التي شهدتها تونس خلال العام الماضي، وسط اتهام مسؤولين وأجهزة أمنية بالفساد والاغتيالات وتعذيب معتقلين.
وأعادت الاحتجاجات التي اندلعت في مختلف أنحاء تونس، إبان إقدام شاب على الانتحار بدافع الإحباط جراء عجزه عن إيجاد وظيفة، وبعد أسبوع من خسارة «نداء تونس» موقعه في البرلمان، إلى الأذهان حادثة محمد البوعزيزي التي فجّرت ثورة 2010، وحالة الغضب الشعبي تجاه النظام التونسي.
ووصف مراقبون رد السبسي بتوفير وظائف في القطاع العام لأبناء بلدة القصرين بأنه «باهت»، حيث ترافق مع فرض حظر تجوال في مختلف أنحاء البلاد وإعلان حالة الطوارئ.