اتفاق وقف إطلاق النار المبدئي في سوريا، الذي يأتي غداة إعلان الرئيس بشار الأسد استعداده لهدنة مشروطة، يعزز تكهنات سابقة بتوافق أميركي روسي بشأن إيجاد حل لإنهاء الأزمة السورية مقابل ضمانات متبادلة. إلا أن تثبيت تلك الهدنة المنشودة يبدو مستحيلاً في ظل تباعد مواقف المعارضة والنظام السوري، وتعدد الأطراف الدولية الفاعلة المؤثرة في الأزمة.
الهدنة، التي سبقتها سبعة تفجيرات دامية في أنحاء متفرقة من البلاد، تبدو بعيدة المنال، لا سيما أنه كان من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ الجمعة الماضية بناء على اتفاق القوى العالمية في ميونيخ.
واعتبرت أطراف من المعارضة السورية أن التفجيرات تأتي في إطار التشكيك بإمكانية وقف إطلاق النار، ولم تستبعد أن يكون نظام الأسد مسؤولاً عنها.
عقبة سياسية
ورغم التصريحات الأميركية والروسية التي تبدو أكثر تفاؤلاً، والتي تزامنت مع تصريحات الأسد، إلا أن الأطراف لم تتفق بعد على تصنيف مشترك لـ«المجموعات الإرهابية»، التي استثنت من وقف إطلاق النار..
وهو ما يطرح تساؤلات حول صمود الهدنة المرتقبة، لا سيما مع تأجيل بعض القضايا المرتبطة بها كاستمرار العمليات ضد الإرهابيين، وهو ما يعني أن موسكو وواشنطن لا تزالان تعملان على إدارة الأزمة وليس حل الصراع.
وفيما أعلنت موسكو الاتفاق مع واشنطن على معايير نظام الهدنة في انتظار موافقة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي باراك أوباما، تطرق وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى إحدى أهم نقاط الخلاف الرئيسية مع روسيا، وكرر الموقف الأميركي بضرورة أن يتنحى الأسد، قائلاً: «في وجود الأسد لا يمكن أن تنتهي الحرب ولن تنتهي».
ويرى الخبير العسكري الفرنسي آلان روديه أن نجاح تنفيذ الاتفاق لن يؤدي إلى توحيد وتركيز الجهود في الحرب ضد «داعش»، لأن هذا يتطلب تنسيق العمليات بين واشنطن وموسكو، وهذا الأمر بعيد المنال لاعتبارات سياسية، على حد تعبيره.
شروط تعجيزية
الحكومة السورية والمعارضة، بدورهما، أعلنتا موافقتهما ولكن المشروطة على وقف إطلاق النار المقرر سابقا في ميونيخ. وقال الرئيس السوري إنه مستعد لذلك شرط وقف دعم المعارضة، فيما اشترطت المعارضة من جهتها وقف القصف ورفع الحصار.
الشرط الذي وضعه الأسد قائلاً «مستعدون لوقف إطلاق النار شرط عدم استغلال الإرهابيين له»، يبدو فضفاضاً، فالساحة السورية تزدحم بالفصائل المسلحة التي لا تنطوي جميعها تحت لواء المعارضة، كما أن تقييم مسألة استغلال «الإرهابيين» للهدنة تبدو نسبية.
ويقول آلان روديه إن «احتمال استمرار اتفاق وقف إطلاق النار بين النظام السوري والمعارضة غير الإرهابية ممكن»، لكنه استدرك قائلاً إن «تنظيم داعش وجبهة النصرة، لن يكونا مشمولين، وبالتالي فستختلط الأمور، وستستخدم الأطراف هذا الغطاء للاستمرار في تصفية الحسابات».
انقسام المعارضة
كذلك، فإن المعارضة تتمسك بشروط قد تكون عقبة أمام الاتفاق، حيث تطالب بضمانات دولية بشأن حمل روسيا وإيران على وقف القتال. كما أكدت مصادر أخرى في المعارضة أنه لن يتم تنفيذ الهدنة إلا إذا تم وقف القتال بصورة متزامنة وفك الحصار عن مختلف المناطق والمدن، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية للمحاصرين، وإطلاق سراح المعتقلين، خاصة النساء والأطفال.
كذلك، تطالب المعارضة بوقف قصف «جبهة النصرة»، بسبب ما تعتبره تداخلها الجغرافي مع فصائل المعارضة الأخرى، إلا أن روسيا والولايات المتحدة ترفض ذلك، وتصر على تصنيفها منظمة إرهابية.
عقبة تركية
أما تركيا، فقد ألمحت صراحة إلى عدم التزامها بوقف إطلاق النار. وأعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أن بلاده تتصرف بموجب «حقها في الدفاع عن النفس» تجاه أكراد سوريا، وتحتفظ بـ«حقها في شن جميع أنواع العمليات» العسكرية.
وذكرت صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية أن أوباما يأخذ تهديدات تركيا بالتدخل العسكري في سوريا بعد تفجيرات أنقرة بجدية، وإنه أمضى ساعة وعشرين دقيقة الجمعة الماضية يحضّ فيها أردوغان على ضبط النفس، مضيفة أنه رغم ذلك لا يستبعد أوباما أن تشن تركيا عملية داخل سوريا.
تضمن اتفاق ميونيخ المعلن في 12 الجاري خطة ثلاثية البنود. أولاً تخفيف حدة العنف تدريجياً في سوريا وصولاً إلى وقف المعارك في غضون أسبوع، من دون إلزام روسيا بوقف ضرباتها. وزيادة المساعدات الإنسانية الغذائية والأدوية وتسريع إيصالها. ومواصلة مباحثات «جنيف 3» للحل السياسي، وتحقيق عملية الانتقال السياسي خلال ستة شهور برقابة الأمم المتحدة.