بعدما أصبح لبنان تحت «المراجعة الخليجية» على إثر انضمام مجلس التعاون الخليجي إلى موقف المملكة العربية السعودية الذي حذر من خروج لبنان عن الإجماع العربي، برز موقف عكسته أوساط رئيس المجلس النيابي نبيه بري، داعية إلى التروي وعدم التسرّع في إطلاق الأحكام قبل اتضاح الصورة.

في حين بدا لبنان متخبّطاً بين فريق سياسي مؤيّد للمملكة، محمّلاً مسؤولية القرار لحزب الله والتيار الوطني الحرّ، وبين فريق مناهض يعزو القرار إلى «حسابات سعودية داخلية»، وجاء قرار وزير العدل اللبناني أشرف ريفي تقديم استقالته ومطالبته الحكومة بالاعتذار من المملكة، ليؤجج الجدل المتفاقم حول الخطوة السعودية بوقف مساعداتها للبنان.

وقدم ريفي استقالته على خلفية قضية ميشال سماحة، واتهم ريفي حزب الله بتدمير علاقة بيروت بالسعودية والعرب، قائلاً إن ممارسات «دويلة حزب الله» وحلفائه لم تعد مقبولة، فيما طالب الحكومة بتقديم الحكومة بتقديم اعتذار للسعودية.

وقال ريفي في بيان إنه «عاين من موقعه كوزير في الحكومة ما يعجز اللسان عن وصفه»، مضيفاً: «اليوم أصارح اللبنانيين بأن ما وصلت إليه الأمور من جراء ممارسات دويلة حزب الله وحلفائه لم يعد مقبولاً، والاستمرار في هذه الحكومة يصبح موافقة على هذا الانحراف، أو على الأقل عجزاً عن مواجهته، وفي الحالتين الأمر مرفوض بالنسبة إلي».

وأضاف ريفي، الذي قدم ملف ميشال سماحة، الموضوع بين يدي المحكمة العسكرية، إلى المحكمة الجنائية الدولية قبل أيام بعد تعذر نقله إلى المجلس العدلي اللبناني، إنّ «ما حصل في قضية ميشال سماحة كان جريمة وطنية يتحمل مسؤوليتها حزب الله حصراً، وهو غطى القاتل وحوّله إلى قديس جديد، عندما عطل هو وحلفاؤه نقل الملف إلى المجلس العدلي».

وأردف: «لقد أخذت على عاتقي، بعد تعذر نقل ملف سماحة إلى المجلس العدلي، أن أتوجه بهذا الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، وسأستمر مع الشعب اللبناني في متابعة هذه القضية حتى النهاية، وأدعو جميع اللبنانيين إلى التوقيع على العريضة الوطنية، لمحاكمة سماحة في القضاء الدولي على الجريمة التي ارتكبها».

الاعتذار للسعودية

إلى ذلك، فنّد ريفي في البيان ممارسات حزب الله، قائلاً إنه «استعمل هذه الحكومة في سياق ترسيخ مشروع الدويلة، حيث أراد تحويلها إلى أداة من أدوات بسط سيطرته على الدولة وقرارها. وفي هذا الإطار، يأتي ما فعله وزير الخارجية جبران باسيل في جامعة الدول العربية، ليعطي مثلاً صارخاً على ممارسات دويلة حزب الله التي لا تقيم اعتباراً للبنان ومصلحته».

من جهتها، حمّلت قوى 14 آذار في بيان، حزب الله مسؤولية تدهور العلاقات اللبنانية مع السعودية. وقالت في بيانها إن حزب الله يقدم مصلحة إيران على مصلحة لبنان العليا. ودعت الحزب إلى الانسحاب من سوريا، مؤكدة رفضها المس بسيادة أي دولة عربية.

كان اجتماع لقوى ١٤ اذار عقد مساء أمس، في بيت الوسط لاطلاق موقف من التطورات الأخيرة بلبنان، في حين دعا رئيس الحكومة تمام سلام الى جلسة طارئة اليوم (الاثنين) لمناقشة الاوضاع المستجدة.

قرار جامع

وإذ تحوّل القرار السعودي إلى قرار خليجي جامع، فإن ثمة من يتوقع اتساعه أكثر باتجاه دول عربية، وربما إسلامية، وهناك من يقول إن المسألة كبيرة تقع بين هدفين: الأول، الضغط لاسترجاع الحكومة المواقف الدبلوماسية السليمة، والمتناغمة مع الموقف العربي العام، أو في الحدّ الأدنى الالتزام بسياسة النأي بالنفس.

والثاني، الضغط باتجاه حلّ يقوم على المجيء برئيس حيادي وحكومة وفاقية تلتزم الحياد، أو ترك لبنان يواجه أوضاعه الداخلية بما يقرّره أطرافه وأطيافه.

مخاوف بين حدّين

وفي ظل معلومات عن مواقف تصاعدية للمملكة، أشارت المصادر نفسها لـ«البيان» إلى أن المخاوف تراوح بين حدّين: الأول يتمثل في اعتقاد أن القرار السعودي يشكّل صدمة جراحية قاسية، ورسالة واضحة بأن ترك لبنان عرضة لهذه السياسات لن يمر بعد الآن من دون أثمان موجعة.

 أما الثاني، فيذهب أبعد من الصدمة الأولى إلى التخوف من أن يكون القرار طليعة قرارات أخرى متدحرجة أثيرت حيالها احتمالات تطوير هذه الإجراءات.

جنبلاط يناشد

وناشد رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط المملكة إعادة النظر في قرارها، لافتاً إلى وقوف المملكة إلى جانب لبنان في أصعب الظروف.

وأضاف جنبلاط: نناشد قيادة المملكة إعادة النظر في قرارها وقف المساعدات العسكرية للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وهي التي لطالما وقفت إلى جانب لبنان في أصعب الظروف».

المفتي والبطريرك

من جهته، أكد مفتي لبنان الشيخ عبد اللطيف دريان أن محاولة إفساد العلاقة التاريخية بين لبنان والسعودية التي وصفها بأنها كانت ولا تزال محتضنة لكل قضايا العرب والمسلمين هي محاولة فاشلة.

وقال دريان، في بيان، إن «لبنان وشعبه مع الإجماع العربي في قراراته التي تحفظ كرامة ووحدة كل الشعوب الإسلامية والعربية»، مشدداً على ضرورة «أن تكون العلاقات اللبنانية - السعودية ودول الخليج على ما يرام». وأضاف أن «الإساءة أو التطاول على المملكة العربية السعودية أو أي دولة خليجية في مجلس التعاون هو فتنة».

من جانبه، انتقد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي «النزيف الوطني، المتأتي من فقدان الولاء للوطن، ومن إعطاء الأولوية للمصالح الخاصة والفئوية والمذهبية على حساب الخير العام».

تحصين

شدّدت مصادر لبنانية على أن المطلوب هو الإسراع في اتخاذ قرارات تحصّن التعامل مع «النأي بالنفس»، وتبعد اللبنانيين جميعاً عن سياسة تسجيل الأهداف في مرمى العدو المفترض التي يتبعها طرفا النزاع اللبناني على الأقلّ محلياً.