تتداول وسائل إعلامية ومصادر حكومية عراقية أنباء عن معارك داخل مدينة الفلوجة بين الأهالي أو بعض العشائر من جهة، وتنظيم داعش الذي يسيطر عليها منذ سنوات ويعتبرها ركيزته الأساسية في العراق من جهة أخرى، إلّا أنّ مثل هذه الأحداث كما يرى بعض متابعي الشأن العراقي غير دقيقة كون بعض النزاعات العشائرية، وحتى الاحتكاك مع السلطات، تحدث في كل مكان وفي أكثر المحافظات العراقية استقراراً مثل البصرة وميسان وواسط وغيرها.

ووفق مصادر مطلعة، فإنّ ما يجري خلف الكواليس يتعلّق بمحاولات دولية وإقليمية ومحلية لدعم فصائل المقاومة العراقية، التي كبحها تنظيم داعش، فضلاً عن القمع الذي تعرضت له من قبل السلطات في السنوات الماضية.

وفي نظرة عن قرب لواقع الفلوجة، فإنّ تنظيم القاعدة لم يكن وراء أحداث 2004، التي بدأت بمطالب اجتماعية بسيطة، فيما كانت الهيمنة الميدانية هناك لفصائل الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين وحماس العراق وتنظيم النقشبندية وغيرها، فيما جاءت «القاعدة» متأخرة لتفرض سيطرتها على المدينة وتسرق النصر الذي حققه الأهالي، بحكم الدعم الكبير الذي تحصل عليه واستخدام القوة المفرطة ضد معارضي نهجها، وبالأخص ضد الفصائل المقاتلة، ما اضطر الكثيرين على التخلّي عن فكرة المقاومة.

ضد طائفية

ويرى المقاتل قاسم الصعب، أنّه ترك وإخوته وأقاربه السلاح، وجلسوا في بيوتهم عندما فرض تنظيم القاعدة سيطرته على المدينة بالقوة، فهم يختلفون معه في الفكر وفي التطبيق وحتى في السلوك الاجتماعي.

ويضيف: «عندما حاولت قوات المالكي اقتحام المدينة، وفرض نهجها الطائفي لم نجد بدّاً من العودة إلى حمل السلاح، ليس تأييداً للتنظيم ونهجه، وإنما دفاعاً عن مدينتنا وأعراضنا وديننا، وهذا شأن غالبية المقاتلين هنا، نحن لسنا مع «داعش» وإنما مع أهلنا ومدينتنا التي يفترض أن نحافظ عليها كرمز تاريخي للمقاومة، مقاومتنا نحن وليس الذين فرضوا أنفسهم علينا».

إعادة استقطاب

ووفق استطلاعات فإنّ الإدارة الأميركية تحاول الآن استقطاب أو إعادة إحياء، فصائل المقاومة والمعارضة السياسية، التي تعاونت الحكومة و«القاعدة» في قمعها وتصفية الكثير منها، والدخول معها في صفقة سياسية – عسكرية، وليس كما يتم تصويره بأنّه انشقاق داخل تنظيم داعش.

وتقول مصادر مقرّبة من الحكومة العراقية، إنّ «منشقّين عن داعش عرضوا على الحكومة العراقية صفقة لدخول الفلوجة من دون قتال، مقابل ضمان عدم ملاحقتهم، لكن مسؤولاً محلياً في المدينة يشير إلى أنّ «الحكومة تتعامل ببرود مع العرض الذي قدمه المنشقون، نافياً علمه سبب ذلك». وحقيقة الأمر هي أنّ الحكومة غير متحمسة لمحاولات التقارب مع الفصائل المسلحة السنية المعارضة لتنظيم داعش.

تفاهمات

في السياق، يعزو مسؤول عسكري في الأنبار تأخّر العملية العسكرية في الفلوجة إلى وجود تفاهمات مع بعض سكانها. ويؤكد المسؤول الذي كان يشغل منصباً عسكرياً رفيعاً في الأنبار أنّ «الخطط العسكرية يضعها الجانب الأميركي، وهو من يحدّد أولوية ووجهة الهجوم»، مشيراً إلى أنّ الأميركيين عطلوا أكثر من هجوم وشيك على الفلوجة الصيف الماضي.

وقال قادة في الحشد حين اقتربوا العام الماضي من الفلوجة، إنّ «الولايات المتحدة طلبت منهم مغادرة المنطقة والاتجاه إلى بيجي، شمال تكريت قبل تحريرها.

أنباء وإرهاصات

في السياق، تضاربت الأنباء حول وجود ثورة داخل الفلوجة ضد «داعش»، فبينما أكدت وزارة الداخلية ومسؤول محلي في المدينة نشوب مواجهات بين عدد من عشائر الفلوجة ومسلحي التنظيم، نفى خبير عراقي هذه الأنباء، عازياً ذلك إلى خلافات فردية.

ويقول سعدون عبيد الشعلان قائم مقام الفلوجة، إنّ «قبيلة جميلة ومعها العديد من العشائر تقود معارك ضارية ضد تنظيم داعش في مناطق شمال وجنوب الفلوجة غرب بغداد».

نار تحت الرماد

بدوره، كتب الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي، في صفحته على «فيسبوك»: «بعد التحري والتقصي ووفق شهادات وتقارير الداخل من الثقات عن الأخبار التي شاعت تأكد كذب تلك الأخبار، وأن ما حدث مع عشيرة الجريصات مجرد شجار أحد عناصر «داعش» مع قصاب من أبناء العشيرة، وما حدث في حي نزال من إطلاق نار كثيف هو مجرد تشييع لجنازة.

وفي كل الحالات فإنّ الإشاعات إنما تأتي تناغماً مع التسريبات حول اتفاق متوقع بين القوات الأميركية وفصائل من المقاومة العراقية لحسم معركة الفلوجة، ضمن صفقة سياسية لم تنضج بعد، ولم تعلن تفاصيل المقترحات بشأنها.

حريق

أعلن عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة الأنبار راجع بركات، قيام مقاتلي العشائر في مدينة الفلوجة بحرق نقطة تفتيش تابعة لتنظيم داعش، وقتل اثنين من عناصر التنظيم كانا موجودين فيها. وقال بركات: إن «المواجهات المسلحة بين أبناء عشائر الفلوجة وعناصر تنظيم داعش مستمرة في منطقة حي نزال وسط المدينة ومنطقة حي الجولان شمالي المدينة».

مشيراً إلى أنّ «أبناء عشائر الفلوجة تمكنوا من حرق نقطة تفتيش في محيط منطقة الجولان شمالي الفلوجة، وقتل اثنين من عناصر التنظيم فيها، والاستيلاء على الأسلحة والمعدات التي كانت بحوزتهم».