كثيرةٌ هي الأقاويل التي تجعل من المصالحة الفلسطينية أمراً بعيد المنال، وإلى الخيال أقرب منها إلى التحقّق، إلّا أنّ المعطيات على المشهد وتسارع الأحداث محلياً وإقليمياً كذلك، يكشف عن أنّ المصالحة باتت أقرب من أي وقت مضى، وأنّ فرص نجاح تطبيقها على أرض الواقع أكبر.
ولعل الأحاديث تزايدات مؤخّراً على لسان قيادات في حركة حماس، عن أن الأيام المقبلة ستحمل في طياتها انفراجات بسبب تغيرات إقليمية ودولية تحدث في المنطقة، من شأنها أن تنعكس إيجاباً على الوضع الفلسطيني الداخلي، وأنّ هنالك نوعاً من الانفتاح مع دول عربية وإسلامية، بسبب التغيّرات في المنطقة، إلى جانب توافر إمكانية كبيرة في الوقت الراهن لتحقيق المصالحة الفلسطينية كخيار استراتيجي.
عوامل صمود
ويرى المحلل السياسي ناصر اليافاوي، أنّ «من شأن الكثير العوامل الإسهام في صمود النسخة الجديدة من المصالحة، ومنها التقارب بين الرياض وحركة حماس، بهدف تحجيم النفوذ الإيرانيّ، كأولوية في السياسة الإقليميّة الجديدة للمملكة العربيّة السعودية».
لافتاً إلى أنّ «حالة الهدوء التي سادت في الأيام الأخيرة بين مصر وقطاع غزة، أتت نتيجة الجهد السعودي، لمحاولة ترميم العلاقة بين مصر و«حماس»، بعد سماحها بتنقّل بعض من قيادات الحركة في النطق الإقليمي، فضلاً عن الاتصالات لمعالجة بعض القضايا الأمنية، وفتح معبر رفح.
ويلفت المحلل السياسي، إلى أنّ «تحالفاً عربياً في المنطقة يسعى لتوفير بيئة هادئة ومناخات إيجابية للتحالف في وجه خطر إيران»، مشدّداً على ضرورة تحقيق المصالحة بين الفلسطينيين، للانشغال بقضايا أكبر من سلطة لم تكتمل أركانها بعد.
إنجاح مصالحة
وأوضح اليافاوي أنّ «السعودية وحلفاءها أدركوا ضرورة إنجاح المصالحة الفلسطينية، لا سيّما بعد التدخل الروسي العسكري المباشر في الصراع السوري، داعماً لنظام بشار الأسد وحزب الله حلفاء إيران في المنطقة.
مبيّناً أنّ الموقف الأميركي يتلخّص في الاعتراف والتعاون مع حكومة الوفاق التي أسهمت حماس في تشكيلها، ورفع الفيتو عنها، ومحاولة أميركا احتواء حماس عبر فتح قنوات اتصال معها، لإدراكها بعدم جدوى عزل الحركة، وعدم ممانعتها التقارب بين «حماس» والسلطة لترتيب أوضاع المنطقة من جديد.
تحقّق معجزات
ولا يتفق المحلل السياسي أكرم عطا الله مع رأي اليافاوي، إذ يرى أنّ «المصالحة الفلسطينية لن تتم إلا بحدوث ثلاث معجزات، أولها حل السلطة، بما يمكّن من التحلّل من كل الاتفاقيات التي ترفضها حركة حماس، وتتحوّل الحالة الفلسطينية إلى مجموعات مسلّحة.
واستشهد عطا الله على ما ذهب إليه، بتصريحات القيادي في حماس، محمود الزهار، عندما قال: «نريد مصالحة على أساس المقاومة وليس على أساس التنسيق الأمني»، حيث إن خيار حل السلطة ارتباطاً بالمسار التاريخي أو بقبول حركة فتح بذلك، يبدو مستحيلاً، على حد قوله.
اعتراف والتزام
وأضاف أنّ المعجزة الثانية، تتمثّل في أن تقرر «حماس» الاعتراف بالسلطة واتفاقياتها، وتعلن التزامها بما التزمت به، وتقرّر حل جناحها العسكري وتسليم سلاحه، وتعترف بشرعية سلاح السلطة فقط، وتعلن إسقاط الخيار المسلح في الصراع مع إسرائيل، وهذا مستحيل أن يحدث، بل سيبقى عقدة تقف أمام كل محاولات المصالحة.
إرادة شعب
ويختم عطا الله بالمعجزة الثالثة، المتمثّلة برأيه في أن تلتقي حركتا فتح وحماس وتتبادلان حديثاً هادئاً، مضمونه أنهما في السلطة أكثر من عقد، استغلا تفويضاً أعطي لمدة أربع سنوات، وأنّ الاستمرار بهذا الشكل هو استمرار لاغتصاب إرادة الشعب، وهذا لا يجوز، ومن أجل تصحيح الخطأ، يجب الدعوة لانتخابات عامة، تعيد للشعب صاحب السيادة سلطاته، بعد عجزهم عن إيجاد حل للانقسام.
وأكد عطا الله، أنّ الأجواء ليست مواتية، وأنّ الأوضاع صعبة، مضيفاً: «يعرف ذلك متحاورو التصور العملي، الذين راهنوا على ذاكرة الشعب القصيرة، ليس هناك حل سوى أن يقرر الشعب صاحب السلطة استعادة سلطته بالاحتجاج السلمي، وإلا فلننتظر المعجزة، في زمن انتهت فيه المعجزات، أو نترك الأمر للتاريخ، ولكن علينا الكف عن خداع أنفسنا مرة أخرى».