أصدر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قبل أيام رؤيته حول كيف يمكن للعالم أن يخدم المحتاجين بشكل أفضل: هيكل معونة متماسك ومنسق، يربط على نحو أكثر كفاءة الإغاثة الطارئة بالتنمية ويستثمر أكثر – سياسياً ومالياً – في الوقاية من الأزمات قبل حدوثها.
وفي الوقت الذي اعترف فيه بان كي مون نفسه بأن «الكثيرين يشككون في قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بوعود ميثاق الأمم المتحد..
ة فيما يتعلق بإنهاء الحروب أو مواجهة التحديات العالمية»، تأتي رؤيته لتوجيه الحكومات ووكالات الأمم المتحدة وبقية قطاع المعونة الذي تقدر قيمته بنحو 24 مليار دولار لتبني التغييرات الرئيسية في القمة العالمية للعمل الإنساني القادمة، تتويجاً لعملية تشاورية استمرت لقرابة ثلاث سنوات بهدف تحسين تقديم المساعدات للمتضررين من الأزمات.
ووصف البعض رؤية الأمين العام بأنها مُلهمة و«إطار عمل طموح» له «رؤية جريئة»، ولكن آخرين اعتبروها «ساذجة» وتضم الكثير من «الفجوات الكبيرة» – بما في ذلك الفشل في معالجة مسألة إصلاح الأمم المتحدة مباشرة، وحماية استقلال العمل الإنساني في بيئات مسيسة، وتمثيل القضايا الرئيسية التي برزت في المشاورات الشعبية بشكل كاف.
تحديد الأولويات
التقرير الذي طال انتظاره، والذي يحمل عنوان: «إنسانية واحدة.. مسؤولية مشتركة»، يرسم صورة مقنعة للأحوال الرهيبة في العالم في ظل وصول عدد النازحين لأرقام قياسية، وزيادة الحروب الأهلية، وتزايد عدد الظواهر المناخية الشديدة المرتبطة بتغير المناخ.
وفي كثير من الأحيان لا يحدث التفاعل اللازم من القيادة السياسية للتعامل مع هذه التحديات إلا انطلاقاً من «المصالح المتعلقة بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية الفورية والمحددة والضيقة»، على حد وصف بان كي مون الذي قال إنّ التقرير يركز بالأساس على منع وقوع الأزمات في المقام الأول..
ومعالجة مخاوف بعض العاملين في مجال الإغاثة الذين أعربوا في وقت سابق عن الإحباط من التركيز حصراً على تقديم المعونة، مما يعني أن عملية القمة العالمية للعمل الإنساني تفقد مجدداً الهدف الرئيسي منها وهو: لماذا لا نعالج جذور المشكلة؟
كما شدد بان كي مون أيضاً على أهمية منع المذابح كتلك التي حدثت في رواندا وسريلانكا وسوريا عبر التحدث بجرأة ومن دون خوف عن الفظائع الجماعية.
ويمكن القول بأن اللغة الأكثر قوة في مسودة سابقة لهذا التقرير، التي قال فيها إنه يشجع جميع موظفي الأمم المتحدة على «التصرف بشجاعة أخلاقية في مواجهة الانتهاكات الجسيمة والواسعة النطاق، بدلاً من الصمت في مقابل وصول المساعدات الإنسانية» قد ضعفت في المسودة النهائية. وبالمثل، لم تظهر العبارة السابقة «كمجتمع دولي ما زلنا نفشل» في البيان النهائي.
وتعليقاً على ذلك، قال كلاوس سورنسن، الذي يقدم المشورة إلى رئيس المفوضية الأوروبية حول الشؤون الإنسانية إنّ «الأمر يتعلق بفكرة إنهاء الاحتياجات لتجنب الحاجة إلى الأعمال الخيرية... أعتقد أن هذا هو النهج الصحيح». وتجدر الإشارة إلى أن سورنسن، عمل في السابق مديراً عاماً لدائرة المساعدات الإنسانية والحماية المدنية (إيكو) التابعة للمفوضية الأوروبية.
تحديد الاتجاه الصحيح
وفي جوهره، يحتوي التقرير على «شيء للجميع»، على حد وصف أحد كبار المسؤولين في قطاع العمل الإنساني لأنه يتطرق إلى جميع المواضيع الرئيسية: النوع الاجتماعي، والحماية، والقانون الدولي الإنساني، والتأهب. ولكنه يخفق في تحديد الأولويات بين 122 توصية مذكورة أو تحديد الاتجاه الصحيح.
وقالت مسؤولة في إحدى الجهات المانحة الغربية: «هناك الكثير من التوصيات، والكثير منها مفيد، ولكن قياساً بحجمها الهائل، تصبح في بعض الأحيان غير عملية إلى حد ما».
وتساءلت المسؤولة الإنسانية قائلة: «يوجد هناك الكثير منها: ما الذي نريد تحقيقه في الواقع؟ هذا التقرير هو عبارة عن قائمة. ما هي الأولويات الرئيسية من الناحية السياسية التي سوف نمضي قُدماً في تحقيقها؟ أين هي الالتزامات؟». واستطردت قائلة إنّه «كان ينبغي التركيز على ما يمكن أن تقوم به الأمم المتحدة، وما الذي يمكن أن تقوم به الدول الأعضاء... في هذه اللحظة، الأمر غير واضح».
من جهة أخرى، يرى موكيش كابيلا، أستاذ الشؤون الإنسانية ومستشار الأمانة العامة للقمة العالمية للعمل الإنساني أن «الأمين العام لا يستطيع أن يفعل أكثر من أن يقول للعالم: انظروا، ها هي طبيعة المشكلة. هذه هي طبيعة الفجوات. إذا كنتم تهتمون حقاً في حل هذه الأنواع من المشاكل، فهذه هي الأشياء التي يجب أن تنفذ».
تحذير
يحذّر وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية لي يان إيغلاند، الذي يشغل الآن منصب أمين عام المجلس النرويجي للاجئين، من رهن الغوث الإنساني والتعامل مع الحكومات خاصة في البلدان التي تحتاج العون. ويقول: «أحذر بشكل أساسي من [التحول نحو العمل مع الحكومات] حيث هناك حرب وحيث تمر المساعدة عبر التسييس والعسكرة والأمننة لأن الناس لا يحصلون على الاهتمام ولا الدعم الذي يستحقونه».

