التحوّل الروسي اللافت، الذي بدأه وزير الخارجية سيرغي لافروف بمقترح لوقف إطلاق النار في سوريا، لم ينبع من تغير موقف موسكو الاستراتيجي الداعم لنظام بشار الأسد، بل هو مرتبط بسلسلة من المعطيات التي طرأت على الملف السوري.

موسكو، وبعد تأكيدات سابقة بأن لا وقف لإطلاق النار قبل إنهاء الأهداف العسكرية التي بدأت الحملة لأجلها، أعلنت اتفاق الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي باراك أوباما على التعاون من أجل تنفيذ اتفاق ميونيخ، الذي ينص على وقف الأعمال العدائية في سوريا في غضون أسبوع.

سحب غطاء

وبحسب مراقبين، فإن التحول في الموقف الروسي نابع من عدة تطورات، أبرزها أن التوجه الدولي نحو إرسال قوات برية إلى سوريا يسحب الغطاء عن روسيا، ويجعلها في مواجهة مباشرة مع دول مهمة في المنطقة بسبب دفاعها عن الأسد، الأمر الذي ينذر بحرب كبرى، وليس في مواجهة مع تنظيمات إرهابية كما تزعم.

وقال رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف: «دعوني أكرر أن لا أحد يرغب في اندلاع حرب جديدة، أي عملية برية ستقود إلى حرب شاملة وطويلة».

وقد وجّهت الولايات المتحدة ودول أوروبية ومنظمات دولية سيلا من الانتقادات لروسيا بسبب طبيعة الغارات التي تشنها في سوريا، والتي لا تستهدف فقط إرهابيين كما تعلن موسكو، بل تستهدف المعارضين لحليفها الأسد، بغض النظر عن وقوع ضحايا مدنيين وتشريد عشرات آلاف المدنيين إلى الحدود التركية.

ضغوط إضافية

ويؤكد المعارض الروسي بافل شيلكوفي أن بلاده باتت تدرك اهتزاز صورتها في العالم العربي، باستهدافها المعارضة السورية واستخدام أسلحة فتاكة تقتل أعدادا كبيرة من المدنيين، معتبرا أن إقامة تركيا مخيمات على الحدود للفارين من الغارات الروسية، لاسيما على حلب، هو بمثابة منطقة عازلة تشكّل عامل ضغط إضافي على الروس.

كما ترجح أوساط مطلعة تحوّل الرأي العام الروسي نحو معارضة الحملة العسكرية في سوريا. وفيما كشف استطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا المستقل أواخر العام الماضي أن 72 في المائة من الروس يؤيدون الضربات الجوية في سوريا، قال مدير المركز ليف غودكوف إن الاستطلاع كشف أيضا «مخاوف ظهرت حيال أن تعلق روسيا في سوريا، كما حدث من قبل عندما علق الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ما يترتب عليه خسائر بشرية ومادية كبيرة».

تورط مزدوج

كذلك، يبدو أن موسكو باتت تشعر بأنها «تورطت» في الحرب السورية. وصرح وزير الخارجية سيرغي لافروف قبل أيام بأن «لدى صقور واشنطن خططا لجرّ روسيا إلى خوض حروب على جبهتين» سوريا وأوكرانيا.

ويؤكد ذلك الخبير الروسي في شؤون الشرق الأوسط فاتشسلاف ماتوزوف، بالقول إن هناك استراتيجية أميركية تقوم على توريط روسيا في حروب متفرقة وعلى جبهات متباعدة، وهذا من شأنه أن يشتت قوة الجيش ويستنزف الاقتصاد الروسي.

كما يرى المعارض بافل شيلكوفي أن «إدارة بوتين تدرك تورطها في المستنقع السوري، دون أن تكون قادرة على تحقيق انتصار حاسم».

وعود أميركية

وبحسب الخبير في شؤون الشرق الأوسط فاسيلي كاشين، فإن روسيا وافقت على وقف غاراتها مقابل تعهدات أميركية بمراعاة المصالح الروسية في المنطقة في أي اتفاق يتم التوصل إليه.

ويقول كاشين إن موسكو تسعى للحفاظ على نفوذ قوي في المنطقة، لكنها لا ترغب في إطالة أمد الحرب وتحمّل تكاليف مادية وسياسية ومعنوية.

فيما أشارت تسريبات إلى أن روسيا استجابت إلى وعود أميركية بممارسة ضغوط على تركيا لإشراك الأكراد في عملية جنيف وترتيب صفوف وفود المعارضة، لاسيما بعد فشل مؤتمر «جنيف 3» الذي هزّ مصداقية روسيا أمام المجتمع الدولي.

مصلحة

ذكر رئيس دائرة الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب البروفيسور عوزي رابي أن مصلحة إسرائيل تكمن في استمرار الصراع السوري أكثر فأكثر وصولا إلى انتصار محور الروس مع الرئيس السوري بشار الأسد، قائلا: «طالما أن الحرب في سوريا تأخذ منحنيات صعبة أكثر، فإن ذلك يكون أفضل لإسرائيل».