غداة إحياء ذكرى مرور 11 عاماً على اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، أطفأت حكومة تمام سلام، أمس، شمعة الذكرى السنوية الثانية لتشكيلها (15 فبراير 2014)، ما فتح باباً لتداخل الخلاصات والمواقف، والانفعالات أيضاً، بين هاتين المحطتين..

وذلك من بوّابة كون رئاسة الجمهورية شاغرة، والحكومة هجينة بين تولّي السلطة الإجرائية مجتمعة وبين أن يكون كل وزير رئيساً، ومجلس النواب غائباً ومغيّباً، أما الجميع فيستعيضون عن الديمقراطية بالتمديد.

ومع بدء السنة الثانية من العقد الثاني على اغتيال الحريري، فإن عنوان المفارقة الصارخة التي يعيشها لبنان هذه الأيام يتلخّص بكون دولته توسّع رقعة سلطتها الأمنية، فيما الدولة نفسها تقلّص مساحة مؤسّساتها الدستورية.

ذلك أن الحديث الجدّي عن الرئاسة الأولى لا يزال مؤجلاً، والجميع معتمد على القرار الداخلي والخارجي بأن لا بديل عن هذه الحكومة في المرحلة الحالية، بانتظار إنهاء الشغور في موقع الرئاسة الأولى.

مصادفة موعدين

وبطبيعة الحال، لم يكن هناك أي ترابط بين المناسبتين إلا من زاوية مصادفة الموعدين والتاريخين. ولكن هذه المصادفة غدت أكثر من مصادفة زمنية، إذ أمكن النفاذ من المناسبتين لإثارة إحدى أهم الإشكاليات والمسائل التي تعني لبنان ضمن الواقع المتفجّر في المنطقة، وهي مسألة «الاعتدال الإسلامي» حصراً..

والذي كان البعد الأساسي الذي جاء بالحكومة قبل عامين، وبات الآن في مهبّ يتهدّده عبر غرقها في ملابسات الحكم: تجويف مفهوم السلطة التنفيذية وفصل السلطات، من خلال تحويل مجلس الوزراء إلى مجلس رئاسي يحظى فيه الوزير بحق الفيتو ويشلّ القرار الحكومي ويعلّق الجمهورية، العالقة أصلاً على درب صليب الأزمة السياسية والرئاسية، حتى إشعار آخر موصول بالصفقات الدولية والإقليمية.

وفي السياق، تجدر الإشارة إلى أن حكومة الرئيس تمام سلام تكاد لا تشبه سواها من الحكومات التي سبقتها على مرّ عقود. فهي سجّلت تاريخ تأليفها من دون أن تعرف متى تنتهي مهمتها، ما دام لا انتخابات نيابية عامة، ولا انتخاب لرئيس الجمهورية، ولا رئيسها في وارد الانحناء للعواصف..

ولا أحد في فرقائها مستعدّ للتخلّي عنها، علماً أن واقع الحكومة، منذ اليوم الأول كان شائكاً ومعقداً، إذ استغرق الإفراج عن تشكيلتها الائتلافية نحو 11 شهراً، ومن ثم باشرت العمل، وقيل إنها حكومة مؤقتة لثلاثة أشهر ونصف الشهر تجري خلالها الانتخابات الرئاسية، ثم تخلفها حكومة أخرى. لكن ما إن انقضت الأشهر الـ3 الأولى، حتى حصل الشغور في موقع الرئاسة الأولى (25 مايو 2014).

ترقّب وتكهّنات

وفي الاحتفال الذي أقيم أول من أمس في مجمع «البيال» - وسط بيروت في الذكرى الحادية عشرة لاغتيال والده، لم يعلن رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، رسمياً، عن ترشيح رئيس تيار «المردة» النائب سليمان فرنجية للرئاسة، لكنّه لم يتنصّل من التزامه السياسي حيال الأخير، وأكد المضيّ في مبادرته.

وأشارت أوساط سياسية لـ«البيان» إلى أن الاستحقاق الرئاسي سيبقى بعيد المنال طالما أنّ التوافق لم يتحقّق بعد بين تيار المستقبل وحزب الله، ومن خلفهما الرياض وطهران. كما دعت الأوساط إلى مراقبة ما سيكون عليه واقع فريقَي «8 آذار» و«14 آذار»، في ضوء مواقف الحريري التي جاءت عنيفة ضدّ حزب الله وحلفائه، إلى جانب الرسائل المبطّنة التي وجّهها إلى بعض حلفائه.

مع الإشارة إلى أن الحريري كرّر تجديد بوصلة «14 شباط» و«14 آذار»، البوصلة التي تدلّ على الخصوم من دون عداوة دائمة ومن دون تفريط بلبنان واستقراره ووحدته، وتدلّ على الحلفاء من دون الذوبان فيهم أو الانفكاك عنهم.

ومع وجود الرئيس الحريري في بيروت، والذي يرجّح أن يطول كما توقعت مصادر مطلعة، انطلقت تكهنات وتساؤلات كثيرة حول مدى مساهمة هذه العودة في ترميم العلاقات المتصدّعة داخل فريق «14 آذار»، وفي تقليص مساحة الخلافات السياسية بين أبناء الصف الواحد منذ «التسوية الباريسيّة» وما تلاها من تطورات وخطوات تتصل بالاستحقاق الرئاسي.

مكسب للجيش

وسط هذه الأجواء، علمت «البيان» أن لبنان تمكّن، عبر الزيارة التي قام بها قائد الجيش العماد جان قهوجي إلى أميركا الأسبوع الفائت، من تحقيق مكسب مهمّ للجيش اللبناني، تمثل في نيل موافقة مبدئية على رفع التمويل المخصّص للجيش من 70 مليون دولار إلى 150 مليون دولار. كما أن دوائر القرار في العاصمة الأميركية أبدت إعجابها بأداء الجيش في محاربة الإرهاب، واعتبرته حليفاً أساسياً في محاربة «داعش».