توقفت نخب سياسية أردنية مطولا، وهي تسمع مصطلح «المكون السوري الموجود في المملكة» على لسان الرسميين والنخب المقربة للحكومة.
ولهذا الارتياب جذوره، يحركه قلق تاريخي عميق وقديم حيال «المكون الفلسطيني». فاليوم هناك 1٫2 مليون سوري في المملكة يشكلون ما نسبته 13٫2 في المئة من عدد السكان في المملكة، وهو ما يعني الكثير.
إدماج اللاجئين
يقول المحلل السياسي الأردني نبيل غيشان إن أخطر ما سمعه من شخصية مهمة على حد تعبيره إطلاقها عبارة «المكون السوري»، مشيرا إلى أنها عبارة تلقفها من وصفهم بخبثاء الصحافة حتى وصلت إلى مؤتمر المانحين في لندن الذي أطلق فكرة إدماج اللاجئين السوريين وتقديم المساعدات للأردن من اجل هذه المهمة.
وكان الأردن قدم في مؤتمر لندن، وثيقة رسمية لم تنشر، لكن «البيان» اطلعت عليها، جاءت بعنوان: «عقد الأردن: طريقة شمولية جديدة بين المملكة الأردنية الهاشمية والمجتمع الدولي للتعامل مع أزمة اللاجئين السوريين».
ودعت الوثيقة لتقديم معالجات شاملة لتأثيرات أزمة اللجوء على المملكة، بما يضمن إدماج السوريين «رسمياً» في السوق والتعليم، وكذلك توليد فرص عمل للمواطنين الأردنيين، عبر مقاربة قِوامها «حفز التنمية الاقتصادية، ودعم السياسات المالية والنقدية».
تضارب الأرقام
رغم الإعلان الرسمي الأردني الدقيق عن أعداد اللاجئين السوريين في الأردن إلا أن ذلك لم ينه تضارب الأرقام الأردنية مع التقديرات الدولية، وهو تباين يدفع الدول المانحة للحد من المساعدات، مما ساهم في غضب أردني تجاه الغرب الذي انتفض لقدوم اللاجئين إلى دوله، لكنه يطالب بلدا صغيرا محدود الإمكانيات مثل الأردن استضافتهم.
هو تضارب بين الجهتين ينظر إليه المسؤولون الأردنيون على انه دخول في التفاصيل أمام ما يتهدد المملكة من مخاطر حقيقية.
وما يزيد من مخاوف الأردن هو أن تقدير الموقف تقول انه معرض لاستقبال مزيد من اللاجئين بإصرار الأسد على التشبث بالسلطة ومواصلة حلفائه دعم طغيانه ما يعني المزيد من اللاجئين.
خيارات صعبة
ويضع المشهد الحالي الأردن أمام خيارات صعبة، رغم انه ينظر بارتياح إلى مخرجات مؤتمر لندن الذي تمخض عن استجابة دولية لكنها تبقى منقوصة وتحمل اشتراطات ليست سهلة.
وعبرت دول أوروبية عديدة عن مخاوف من اختراقات أمنية في صفوف اللاجئين، وفق ما تحدث عنه أكثر من مسؤول أردني منهم وزير الإعلام الأردني د. محمد المومني، وهو ما أثار حفيظة دول أوروبية، لكن عمان ردت على الموقف الأوروبي بالطلب من القارة العجوز استقبال اللاجئين على أراضيها وأن الأردن مستعد لنقل اللاجئين على نفقته الخاصة.
تكتيك الساتر الترابي
وبدأ الأردن الاعتماد على تكتيك سياسة الساتر الترابي الذي يرفض فيه إدخال اللاجئين إلا بقدر محدود ويقول للدول الغربية انه يفعل ذلك لأسباب أمنية، مقتصرا على تمرير أعداد بسيطة من اللاجئين لاعتبارات إنسانية.
و تكتيك «الساتر الترابي» الذي فتح للمملكة في مؤتمر لندن امتيازات تصديرية لدول أوروبا ومساعدات اقتصادية متواضعة للاجئين، ضمن خطة تمتد لثلاث سنوات، لكن في مقابل ما بات يُعرف بـ«التوطين الاقتصادي» للاجئين السوريين، وبـ«ضمانات أردنية» توفّر بيئات إقامة وعمل وتعليم مناسبة، وفق مصدر حكومي رفيع.
ويشعر المسؤولون الأردنيون أن بلادهم في مؤتمر لندن انتزعت - وفق تعبير مصادر لـ«البيان» - شيئا من المكاسب، لكنها تبقى ناقصة ولا تعالج مخاوف الأردنيين من تأثيرات تداعيات ما يجري في سوريا عليهم.
استجابة منقوصة
وقالت المصادر التي طلبت عدم الإفصاح عن اسمها إنّ ما تمخض عنه مؤتمر لندن يُعد استجابة دولية منقوصة، ولا تخفيف حدة الاحتقان الداخلي، خاصة من التوطين الاقتصادي للاجئين السوريين الذي أعاد إلى أذهان الشارع الأردني تجربة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
سوق العمل
نجح اللاجئون السوريون بفعل خبرتهم التجارية والفنية والصناعية من اختراق سوق العمل منذ وصولهم للأردن، ودون توفير غطاء رسمي للأمر، ويمكن ملاحظتهم في مختلف القطاعات التي تتناسب ومهاراتهم وحرفيتهم، بيد أنهم خضعوا للتميز بتلقيهم أجوراً أقل من نظرائهم من العمالة الأردنية والوافدة الأخرى، وهو ما أغضب العمالة الأردنية التي تعاني أصلا.
