يغلي إقليم كردستان العراق على مرجل أزمة اقتصادية خانقة، تسبّبت في خروج تظاهرات، إذ أقدم مقاتلون من البشمركة على قطع الطريق الرئيسي خارج قاعدتهم في السليمانية احتجاجاً على عدم صرف الرواتب، فيما تتجلّى الأزمة إنسانياً في إقدام بعض الأسر على التخلّي عن أبنائها لدور رعاية نتيجة عجزها عن الإنفاق عليهم.

وتصاعدت وتيرة الاحتجاجات في إقليم كردستان العراق أمس، بعد أن كشفت الحكومة عن إجراءات تقشفية جديدة لتجنّب انهيار الاقتصاد الذي يقول مسؤولون إنّه قد يقوض جهود الحرب على تنظيم داعش.

وقطع بعض مقاتلي البشمركة الكردية الطريق الرئيسي خارج قاعدتهم في مدينة السليمانية، في اليوم الثالث من إضرابات واحتجاجات نظمها أفراد من الشرطة وموظفون حكوميون آخرون يطالبون بصرف الرواتب.

شكاوى

وقال أحد المتظاهرين لقناة «ان.ار.تي» التلفزيونية المحليّة، إنه لم يقبض راتبه منذ أربعة أشهر، مضيفاً: «صراحة البشمركة لم يعد باستطاعتها تحمّل ذلك». وقال آخر من أفراد البشمركة: «الحكومة فقدت شرعيتها يتعين عليها إتاحة الفرصة لغيرها».

مخاوف

وحذّر مسؤولون أكراد من أنّ الأزمة الاقتصادية ربما تزيد من الانشقاقات بين صفوف البشمركة وطلبوا من قوى أجنبية منها الولايات المتحدة الأميركية تقديم المساعدات المالية.

وتظاهر رجال الشرطة في كويا وحلبجة وجمجمال. فيما شهدت الأيام الماضية إضرابات وتظاهرات صغيرة في أربيل عاصمة الإقليم.

وكانت حكومة كردستان العراق قالت الأسبوع الماضي إنّها لن تدفع سوى جزء من رواتب العاملين في الدولة حتى تتحسن أوضاعها الاقتصادية. ولا تشمل الإجراءات الجديدة العاملين في وزارة الداخلية أو البشمركة الذين دفعوا تنظيم داعش للتقهقر في شمال العراق، لكن حكومة الإقليم متأخرة بضعة أشهر في صرف رواتبهم.

صعوبة مهمّة

وتسبّبت الأزمة الاقتصادية الطاحنة في الإقليم إلى تخلّي بعض الأُسر الكردية عن أطفالها لدار رعاية تابعة للدولة، بعد أن عجزت عن الإنفاق عليهم.

وقال مسؤولون في دور رعاية الأطفال في مدينة السليمانية، إنّهم يتلقون يومياً استفسارات عديدة من كثير من الآباء الذين لا يستطيعون تحمّل نفقات تربية أطفالهم».

 وأكّد مدير دار رعاية القاصرين في السليمانية أنور عمر علي، أنّ «الأزمة الاقتصادية التي تتعرّض لها الحكومة والمواطنون في المنطقة دفعت أُسراً عديدة للتخلّي عن أطفالها»، مضيفاً: «نتلقى مكالمات هاتفية يومية بشأن آباء يتخلون عن أطفالهم لعجزهم عن تحمل نفقات تربيتهم، نتصوّر أن مهمتنا ستصبح أصعب حال استمرار هذه الأزمة».

ظاهرة انفصال

بدورها، أشارت أخصائية الرعاية الاجتماعية في دار رعاية القاصرين سارانج هاما سعيد، أنّ «الأزمة الاقتصادية لها أثرها على المجتمع حقيقة»، لافتة إلى أنّ «من شأن تفاقم الأزمة زيادة حالات الانفصال في الأسر، ما سيضاعف بدوره عدد الأطفال في الدار».

وأردفت: «باعتبارنا داراً عامة للرعاية فإنّنا نعاني أيضا من الأزمة الاقتصادية، فالموظفون في هذه الدار لم يتلقوا رواتبهم منذ أكثر من خمسة أشهر، لدينا موظفون لا يملكون أُجرة المواصلات ليأتوا للدار للعمل ورعاية هؤلاء الأطفال، وهذا سيؤثّر على الأطفال فيما يتعلق بالجانبين النفسي والتعليمي».

وتمضي سارانج إلى القول: «عندما يُلقى الأطفال نأخذهم ونُبلغ محكمة الأحداث، وبموجب الإجراءات يحاول مسؤولو المحكمة تسليمهم لأقربائهم ثم نسلم بعدئذ الأطفال للأُسر التي تختارها المحكمة، وحتى الآن استقبلنا من 10 إلى 15 طفلاً أتوا للدار ولدينا حاليا خمسة أطفال رُضع».

مضيفة: «لدينا أطفال رفض أقرباؤهم تسلمهم نظراً لوضعهم الاقتصادي السيئ، وأُعيد بعض الأطفال إلى أُسرهم لكنها طلبت من دار الرعاية مجدداً أخذهم لأنها لا تستطيع الإنفاق على تربيتهم». وتتولى الدور العامة لرعاية الأطفال الاهتمام بأطفال من كل الأعمار بينهم رُضع ومراهقون.

إضاءة

تتفاقم معاناة حكومة كردستان لحاجتها إلى مزيد من الموارد لتمويل مقاتلي البشمركة، وتوفير احتياجات النازحين الذين يزيد عددهم على مليون شخص أتوا لكردستان فراراً من العنف في كل أنحاء العراق.

وفيما تمتع الإقليم بانتعاش اقتصادي في أعقاب الغزو الأميركي، نتيجة تلقيه حصة من عائدات تصدير النفط العراقي المتزايدة، خفّضت بغداد التمويل في 2014 بعد أن أقام الأكراد خط أنابيب نفط إلى تركيا وبدؤوا في تصدير النفط بشكل منفصل دون موافقة الحكومة الاتحادية.