المشهد الأوّل: أمضى «أبومحمد» النازح من ريف مدينة حمص، ساعات الصباح الأولى محاولاً إزالة الثلوج التي تراكمت فوق خيمته البالية المرفوعة على أخشاب مهترئة..
والتي كادت أن تنهار فوق رؤوس أفراد عائلته المؤلّفة من ثمانية أشخاص. ساعات أمضاها بين كرّ وفرّ مع العاصفة، تارة يخرج لرفع الثلوج وتكسير طبقات الجليد، وأخرى يختبئ من هول البرد والثلوج. وفي المحصلة، الخشب المهترئ لا يرفع خيمة، والنايلون ليس غطاءً يمنع تسرّب المياه إلى داخل الخيمة.
المشهد الثاني: في مخيم للنازحين السوريين غربي مدينة بعلبك، تعيش منتهى وأولادها الخمسة داخل خيمة تمتد على 12 متراً مربعاً، ومدعّمة بألواح عدّة من الخشب الهشّ الذي قد تطيح به العواصف الثلجية أو الرياح. ومن الخيمة نفسها اقتطعت مترين حوّلتهما إلى مطبخ ومكان للاستحمام ومنشر للغسيل. وغطّت ما تبقى من مساحة بأكياس من النايلون..
وفوقها حرام مبلّل ورطب بسبب تسرّب المياه من «الشادر» البالي. تحصل منتهى وعائلتها على 105 دولارات فقط من مفوضية اللاجئين شهرياً، فيما تراجعت التقديمات الأخرى من وقود «مازوت» ومواد غذائية ومنظفات.
ومع قلّة الدعم، لم يبقَ أمامها لتدفئة الصغار سوى الحرج القريب. من هناك تجمع، وبمساعدتهم، أغصان الأشجار اليابسة والمتكسّرة. ومع هطول الأمطار تصبح الأغصان نفسها غير قابلة للاشتعال بسبب امتصاصها للمياه فــ«تعسّ عسّ» في المدفأة.
المشهد الثالث: في مخيم سهل مرجعيون، يلجأ نازحون إلى الإطارات المطاطيّة، لحماية خيمهم من الثلوج والتخفيف من حدّة البرد خلال العواصف. وبالرغم من المأساة التي تختصرها هذه القصّة، إلا أن أحدهم يعتبرها «اختراعاً» يبرّره، بل ويسعى، مع شبان آخرين، إلى تعميم التجربة في تجمّعات النازحين ومخيماتهم في لبنان.
المشهد الرابع: تتحسّر «أم رضا» وتشكو قساوة الطبيعة وصقيعها. تقول، وهي تحشو مدفأتها العتيقة بما تبقّى لديها من حطب: هذا كل ما تمكّنت من جمعه مع أطفالي خلال الأسابيــع القليلة الماضية من البساتين المجاورة.
وتوضح أن أطفالــها الســتّة، وبينهم واحد في شهره الخامس، أصبحوا غير قادرين على تحــمّل غضب العواصف. وتكرّ سبحة المشاهد، لتروي التجمعات والمخيمات العشوائيّة للنازحين السوريّين في لبنان حكاية بشر يعيشون في العراء..
وتتكرّر معاناتهم مع كل منخفض جوّي، نتيجة النقص الحادّ في أبسط مقومّات الصمود أمام الضغوط المناخيّة التي تحاصرهم داخل ما تبقّى من خيم اهترأت أغطيتها من النايلون مع أخشاب باتت آيلة للسقوط بعد أن نخرتها المياه.. أكثر من فقر وأصعب من حرمان في بقع يصحّ وصفها بأنها خارج حدود الحياة.. أما هم، فيتدثّرون بالبرد، وعزاؤهم: ما زلنا أحياء نُرزق.
احتمالات الأرض الموحلة
هم نازحون يدركون بأن لا أفق لحلول قريبة، وبأن تمويل الوكالات والمنظّمات وهيئات المجتمع المدني تقزَّم إلى النصف، وكل وقودهم انتظار وأمل بالعودة قبل أن تصدأ مفاتيح البيوت وتهرم الوجوه والنفوس. وهو أمل يشبه تلك الرسومات التي تعرضها شوادر الخيم المتروكة للريح.
وفي الخيم الجاثمة على أكوام من الصقيع وضيق الحال والأحلام المؤجّلة، يحفر النازحون ثلاثة احتمالات في الأرض الموحلة: هجرة ملغومة بالغرق، أو العودة إلى ما تبقّى من حطام أمكنة في مكان ما على الأرض السورية، أو الصمود في الخيم التي لا يعرف متى تطبق على أنفاسهم كلما هبّت عاصفة و«شلّعها» الثلج.
يروي بعضهم عن «نكبة» افتقادهم إلى النايلون من أجل تحصين خيمهم وحمايتها من تسرّب المياه. ولا يشكّل النايلون المفتقد، بالنسبة إلى الكثيرين منهم، العقبة الوحيدة في ليالي الأمطار والرياح التي أكملت على ما صمد من أخشاب الخيم، والتي بات لها من العمر أكثر من سنتين، ولم تعمل الهيئات الدولية على تبديلها..
وهكذا، في عزّ البرد، ومع كل عاصفة مطريّة وثلجية، تزداد مآسي النازحين السوريين الذين يعانون من تراجع التقديمات الدولية على كل الصعد، ويجهدون في ساعات هدوء العاصفة في لملمة «جراح» ما أصاب مساكنهم الضعيفة..
كما حالهم، ومنهم من يتوجّه إلى السهول والبساتين والأحراج لعلّه يغنم البعض من الأخشاب المتكسّرة والأغصان التي تساقطت من جراء الثلوج والرياح، ويعمل على جرّها إلى خيمته، حتى ولو طالت المسافة أكثر من 3 كيلومترات.
من جهة ثانية، انعكس انخفاض أسعار وقود المازوت في لبنان هذا العام إيجاباً على النازحين، ووسائل التدفئة. وبذلك، ارتفعت نسبة مستعملي المدافئ العاملة على المازوت بما يقارب 70%. «نحن نعمل على مزج المازوت مناصفة مع الزيت المحروق، طمعاً بالتوفير»، يقول عمر الآتي من ريف حلب، «الحاجة تفرض نفسها، وليس باليد حيلة سوى الصبر، وانتظار الفرج في بلدنا علّها تكون آخر شتوة في نزوحنا».
أرقام وإجراءات
إلى ذلك، أشار عاملون في مجال إغاثة النازحين لـ«البيان»، إلى أن أفراد نحو 200 ألف أسرة سورية يعانون من جرّاء فصل الشتاء هذا العام، نتيجة انخفاض التقديمات، وأوضحوا أنه، خلال الفترة الممتدة بين يناير وسبتمبر من عام 2015، عمدت المفوضية إلى شطب أكثر من 150 ألف نازح سوري من قاعدة بياناتها الخاصة، لأسباب عدّة.
وقد جاء في الأرقام التي كشفتها دراسة نشرتها أخيراً، 3 منظمات تابعة للأمم المتحدة، أن نحو 90 في المئة من أكثر من مليون نازح سوري في لبنان، غارقون في حلقة عقيمة من الديون على حساب الأمن الغذائي والصحي والاجتماعي.


