الغضب الإسرائيلي السريع من إعلان باريس نيتها الاعتراف بدولة فلسطين في حال فشلت التسوية، الذي تلاه عرض رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو إجراء مفاوضات مباشرة دون شروط مسبقة، هو أقرب للموافقة على المبادرة الفرنسية لإطلاق المفاوضات، والتي بدورها لا تحمل شروطاً مسبقة على الإسرائيليين، بل إنها تخدم تكتيك المراوغة لتوسيع الاستيطان.

الرفض الإسرائيلي غير القاطع، الذي انطلق من زعم أن المبادرة ستشجع الفلسطينيين على عدم المشاركة في حل الأزمة طالما «سيحصلون على كل ما يريدونه حتى دون حصول تقدم في المفاوضات»، يبدو مكشوفاً وعبثياً.

تنازلات فلسطينية

ويقول الكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إن الفكرة الفرنسية تنسجم مع تكتيك الاحتلال بإضاعة الوقت، حيث يستمر الاستيطان والتضييق على الفلسطينيين..

وكل ما يخاطرون به سيكون اعترافاً فرنسياً «نظرياً» بالدولة الفلسطينية سبقه تصويت البرلمان الفرنسي منذ سنوات عدة على ذلك، والجانب الإسرائيلي لا يكترث بالاعترافات والمواقف الدبلوماسية والسياسية طالما أن معناها العملي على الأرض محدود ولا ترافقه ضغوط دولية حقيقية.

الفلسطينيون بدورهم، رحبوا بالمبادرة، وقال أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات إنها «تأتي في الوقت المناسب، إذ نرى أن منطقتنا تمر بواحدة من أكثر الفترات حرجاً في تاريخها».

ومع التسليم بمكسب الاعتراف الفرنسي الفضفاض بالدولة، الذي ينقصه اعتراف أوروبي أشمل بالفلسطينيين، فإن هذا الترحيب يحمل تنازلين كبيرين، العودة للمفاوضات من دون وقف الاستيطان، ومن دون إطلاق سراح أسرى ما قبل أوسلو.

تحفظ أميركي

أما الموقف الأميركي فبقي فضفاضاً وداعماً لإسرائيل، وقال مسؤولون أميركيون إن موقف واشنطن واضح بهذا الشأن وهو إنهاء الصراع من خلال الحوار والتفاوض حتى بلوغ حل الدولتين، الذي يضع الاحتلال كافة العراقيل أمام تحقيقه.

اللافت في التحرك الفرنسي الأخير، الذي سبقته مبادرات فرنسية مشابهة، أنه جدد رغبة باريس في وضع سقف زمني إطاره عامان، ستعترف بعدهما بالدولة الفلسطينية في حال فشلت المفاوضات، كما أن توقيته يبدو مواتياً للتوصل إلى حل للصراع. فقائمة الاعترافات بدولة فلسطين تتوسع..

كما أن سياسات نتانياهو تجاه الفلسطينيين تستفز الرأي العام والرسمي العالمي بصورة أكبر، حيث أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الاثنين الماضي أن «النشاط الاستيطاني إهانة للشعب الفلسطيني.. ومن طبيعة البشر مقاومة الاحتلال».

توقيت جيد

كذلك، يرى مراقبون أن قرب انتهاء ولايتي الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، راعي المبادرة، يعزز رغبتهما في التوصل إلى حل للصراع وترك إرث في قضية الشرق الأوسط أو ترك الباب مفتوحاً لخلفيهما لاستكمال هذا الملف الشائك.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني هاني حبيب إن «تبرير واشنطن بالانشغال بالملف النووي الإيراني، لم يعد صالحاً بعد التوصل إلى اتفاق دولي بهذا الشأن، ولا يسع واشنطن سوى الدفع من خلف باريس سراً وتشجيعها على المضي قدماً في هذه المبادرة».

لكن رأياً آخر يرى أن فرنسا سوف تتجنب أزمة مفتوحة مع إسرائيل قبيل انتخاباتها الرئاسية التي تنظَّم العام المقبل، والتي ينوي فرانسوا هولاند خوضها من أجل انتزاع ولاية رئاسية ثانية، مع تركيزه على محاربة تنظيم داعش باعتباره الهدف الأول للسياسة الخارجية الفرنسية.

ويقول المحلل الإسرائيلي باراك رافيد إن «فابيوس ليس ساذجاً أو أحمق، فهو يعرف أن مستوى الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عند أدنى مستوياته». مضيفاً: «يبدو أن فابيوس أثار الفكرة وهو يعرف أنها ستفشل، بما يمهد الطريق لإجراءات أخرى ويحفظ له مكانة في التاريخ الدبلوماسي لفرنسا»، موضحاً أن هذا التطور سيضيف المزيد من التدهور للوضع الدولي لإسرائيل وسيزيد الضغوط عليها لإنهاء الاحتلال.

 

نشاط

منذ أن أصبح لوران فابيوس وزيراً لخارجية فرنسا في 2012، وهو ينشط بصورة كبيرة في مساعي إيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ودفع عدة مبادرات دولية في هذا الصدد، انتهت جميعها بنجاح محدود أو دون نجاح على الإطلاق.