بعد خمس سنوات من احراق البائع المتجول محمد البوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد مطلقاً الثورة التي اطاحت نظام زين العابدين بن علي، وجد الشباب التونسي نفسه تحت ضغط البطالة والفقر والفساد مجبراً على النزول إلى الشارع مرة أخرى مرددين ذات الشعارات التي تطالب بـ «العيش والحرية والكرامة»، لتحصد الاحتجاجات مزيداً من الأرواح لأن السياسيين لا يفهمون بحسب تعبير أحد المتظاهرين، بينما لخص عثمان اليحياوي الذي أشعلت وفاة ابنه خلال تظاهرة في القصرين الموجة الأخيرة وضع الشباب بقوله «ابني ضحية الفساد والتهميش والوعود الجوفاء».
توفي رضا اليحياوي عن 28 عاماً عندما اصيب بصعقة كهربائية السبت الماضي بعد ان تسلق عمود كهرباء اثناء الاحتجاج مع آخرين على سحب اسمه من قائمة التشغيل في القطاع العام. وبعد يومين من الاحتجاجات في المنطقة الفقيرة في وسط تونس حيث تستشري البطالة انتقلت الاحتجاجات على التهميش إلى ولايات اخرى. وأقيل مسؤول كبير في القصرين بعد وفاة رضا وفتح تحقيق حول مسببات تعديل قائمة التشغيل.
«الأكتاف» آفة التوظيف
لكن عثمان اليحياوي لديه اجابة بسيطة على الأمر. يقول الأب البالغ من العمر 65 عاما بصوت يخنقه الغضب «لولا الفساد لما شطب اسم ابني ولكان لا يزال حياً. طالما انهم بحاجة الأكتاف «واسطة» للحصول على وظيفة سيموت شباب آخرون مثله».
ففي يوم السبت «الأسود» كما يقول، كان رضا الحامل لدبلوم مهني في الكهرباء يسعى لمقابلة المحافظ لفهم لماذا حرم من فرصة العمل. لكن تم تجاهل طلبه وهذا ما ادى إلى وفاته برأي والده الذي يسكن في حي الكرمة الفقير في المدينة التي تعد اكثر من 80 ألف نسمة والقريبة من الحدود مع الجزائر.
وقال عثمان وهو أب لستة أولاد وابنتين اخرين «اذا لم احصل على حق ابني، انا مستعد للتضحية بغيره»، مطالبا بتعويض مالي عن وفاة رضا وبأن تعترف السلطات به «شهيداً» مثل 338 من ضحايا الإرهاب وقتلى الإنتفاضة ضد نظام زين العابدين بن علي.
شباب فقير
وبالمثل، يقول محرز البالغ من العمر 36 عاماً إن «اهمال الدولة لهذه المنطقة المهمشة منذ عشرات السنين» هو السبب في موت أخيه. ويضيف الشاب الباحث عن عمل ان «الوضع الاجتماعي شديد الصعوبة» موضحاً أن السلطات «تدفع الشباب الفقير على التوجه نحو الاتجار بالمخدرات أو الإرهاب» بعد ان التحق آلاف التونسيين بصفوف التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم «داعش» في سوريا والعراق وليبيا المجاورة.
السياسيون لا يفهمون
ويقول سليم البالغ من العمر 27 عاما وقد غطى نصف وجهه بمنديل، ان هذا دليل على ان «سياسيينا لم يفهموا شيئاً».ويضيف وهو يشارك مع عشرات اخرين في قطع الشارع الرئيسي في المدينة بالإطارات المشتعلة «اعتقد ان الوقت حان لكي نجعلهم يفهمون أو يرحلون» ويبتعد داخل الحشود التي تردد مستعيدة شعارات ثورة «بوعزيزي» التي اطاحت بحكم زين العابدين بن علي الذي تولى السلطة بلا منازع طيلة 23 عاماً، «عمل، حرية، كرامة».