بعد إعلان الحكومة العراقية، وقيادات «الحشد الشعبي» عن تحرير محافظة ديالى من «داعش»، العام الماضي، صرح مسؤولون إيرانيون بأن بلدهم أصبح مؤمّناً من الهجمات الإرهابية بعمق 50 كيلومترا، ما يعني أن محافظة ديالى، التي استولت عليها الميليشيات، أصبحت خط الدفاع الايراني الأمامي، لاسيما أن الميليشيات سيطرت على مناطق كثيرة لم تكن ضمن نفوذ «داعش»، وبدأت منذ ذلك الوقت، عمليات قتل وتهجير وحرق بساتين ومزارع ومساكن، استهدفت العرب السنّة على وجه الخصوص.

تطهير طائفي

وخلال هذه الممارسات، قال قائد ميليشيا بدر، هادي العامري، لرئيس مجلس النواب سليم الجبوري «انسوا أن ديالى محافظة سنّية»!، على الرغم من أن السنّة يمثلون 80 في المئة من السكان، ما يعني شن حملة تطهير طائفي، بالقتل والتخريب والإخفاء، تمثلت بداياتها بقتل العرب السنة الذين قاتلوا ضد «داعش» أو إصدار مذكرات قبض بحقهم بتهمة الإرهاب، إضافة إلى منع النازحين بسبب الاقتتال من العودة إلى ديارهم، التي تم تخريبها عن عمد.

وشاهد مراسل «البيان»، الأسبوع الماضي، لدى مروره ببلدات منطقة العظيم، ومقتربات تلال حمرين، أن هذه البلدات كانت، وهي الآن مجرد أنقاض ومحال تجارية مكسرة الأبواب أو مهدمة، أو محروقة، في ما تسمى «مدن الأشباح»، بعد أن تم «تحريرها» من أهلها، لأن تنظيم داعش لم يكن فيها.

الميليشيات أُخت «داعش»

وإزاء الأوضاع المأساوية في محافظة ديالى، لوحت اللجنة التنسيقية العليا للمحافظات السنيّة، بزعامة أسامة النجيفي، بالذهاب إلى الأمم المتحدة لطلب «الحماية الدولية للسنة العرب» في العراق، وفيما حملت قيادات الحشد الشعبي مسؤولية أعمال القتل والتهجير الطائفي، دعت رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي إلى إبعاد السياسيين والنواب عن «العمل المسلح».

وقال الناطق باسم اللجنة التنسيقية، النائب خالد المفرجي، في بيان، تلقت «البيان» نسخة منه، إن «اللجنة عقدت اجتماعاً موسعاً لها بحضور نواب حاليين وسابقين وأعضاء مجالس محافظات ومسؤولين حزبيين بارزين، بعد انفتاح اللجنة وتوسعة عدد أعضائها من القوى المتمسكة بالدفاع عن العرض والأرض ضد الإرهاب الذي تمثله (داعش) من جهة، و(الميليشيات السائبة) من جهة أخرى».

وتابع المفرجي أن «المجتمعين أكدوا أن هناك من لا يقلون عن داعش سوءاً وهم يسعون عن عمد لتحطيم الهوية الوطنية، يجري هذا الآن في حزام بغداد، وشمال بابل وجرف الصخر، وفي سليمان بك ويثرب والضلوعية وجسر بزيبز والنخيب وسيطرة الرزازة وغيرها من المناطق، وكان آخرها الأعمال الإرهابية التي جرت ولا تزال في ديالى».

أسلوب ممنهج

ولفت الناطق باسم اللجنة التنسيقية إلى أن «ما جرى في ديالى ليس استثناءً أو حدثاً طارئاً، بل إنه أسلوب ممنهج تتبعه بعض ميليشيات الحشد الشعبي التي نحملها مسؤولية أعمال القتل والتهجير والتفجير والتطهير الطائفي».

وأشار إلى أن «التسجيلات الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بالوثائق الصورية التي يوثقها المجرمون أنفسهم لأعمالهم وهم يقومون بتفجير بيوت الله وقتل المدنيين والذبح بالسكين على الهوية الطائفية واعتقالات كيفية وإذلال الناس والحط من كرامتهم»، متابعا «لم يعد فينا مجال لمراعاة أطراف لا تحترم الشراكة، وترى في مروءتنا ضعفا».

وحمل المفرجي «مسؤولي ملف الحشد الشعبي المسؤولية القانونية عما حدث من أعمال القتل والترويع التي شهدت انتكاسات خطيرة»، مطالبا بـ«التحقيق مع المتورطين وإحالتهم إلى القضاء، كما أن رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، مطالب بحل الميليشيات وإبعاد السياسيين والبرلمانيين عن العمل المسلح خارج إطار القانون وحصر السلاح بيد الدولة»، مبيناً أن «ما يجري في ديالى، وفي غيرها يتيح لنا مفاتحة الأمم المتحدة لطلب الحماية الدولية، بسبب عجز الحكومة عن توفيرها بشكل عادل لكل السكان».

وكشف المفرجي في بيانه عن أن «المجتمعين اختاروا بالإجماع النائبة الدكتورة لقاء وردي ناطقا رسميا للجنة التنسيق العليا جنبا إلى جنب النائب خالد المفرجي».

كربلاء تتحدث

من جانبه، أدان ممثل المرجعية الدينية في كربلاء عبد المهدي الكربلائي، «الاعتداءات» على المساجد ومنازل السكان في المقدادية، بمحافظة ديالى، وحمّل القوات الأمنية الحكومية مسؤولية منع تكرارها وعدم السماح بوجود «مسلحين» خارج إطار الدولة من أيّ مكون كان، فيما دعا المؤسسة العسكرية إلى دعم المتطوعين وأبناء العشائر لأداء مهمتهم في إسناد القوات المسلحة.

وقال الكربلائي إن «قضاء المقدادية في ديالى شهد قبل أيام أعمالاً إرهابية واعتداءات مؤسفة على عدد من المساجد ومنازل السكان»، محذراً من «تداعيات خطيرة لتلك الاعتداءات على السلم الأهلي والعيش المشترك لأبناء هذا الوطن».

وأدان الكربلائي، «تلك الاعتداءات بشدة»، محملاً القوات الأمنية الحكومية «مسؤولية السماح بوجود مسلحين خارج إطار الدولة يهددون أمن السكان من أي مكون أو طائفة كانوا».

وطالب ممثل السيستاني بمنع تواجد المسلحين من أي فئة في المناطق السكنية.

فيما اعتبر الناطق باسم رئيس البرلمان، عماد الخفاجي، أن رئيس مجلس النواب يعتبر ما جاء في كلام ممثل المرجع السيستاني دليلاً على خطورة ما يجري في المقدادية وفضحاً لبعض التقارير الإعلامية والأمنية غير الدقيقة التي تقدم لرئيس الوزراء وتحاول التهوين من خطورة الأوضاع فيها.

وقال عماد الخفاجي إن تصريحات المرجعية الدينية أكثر وضوحاً وحزماً من تصريحات قادة أمنيين وسياسيين كان يجدر بهم العمل على استتباب الوضع الأمني في ديالى.

وأضاف الخفاجي أن «رئيس مجلس النواب يرى أن تحذيرات المرجعية تؤكد ما حذرنا منه حول خطورة الاعتداءات على المساجد ومنازل المواطنين في المقدادية وتداعياتها الخطيرة على السلم الأهلي والعيش المشترك بين العراقيين، إضافة لخطورة السماح بوجود ميليشيات ومسلحين خارج إطار الحكومة يهددون أمن المواطنين ويقوضون مفهوم الدولة القائمة على حكم القانون».

70

كانت المقدادية قد شهدت حادثة مروعة أسفرت عن إعدام نحو 70 شابا في قرية سنيّة شمال المدينة، واختلفت الروايات حينها حول هوية الضحايا بين من اعتبرهم منتمين إلى «داعش»، وأخرى تؤكد انهم ضحية لعمليات انتقامية جرت عقب انفجار عبوة ناسفة على قرية شيعية قريبة من «بروانة الكبيرة»، فيما كان استهداف المساجد السنيّة في ديالى قد ابتدأ في أغسطس 2014، حين فتحت الميليشيات النار داخل مسجد مصعب بن عمير التابع للسنّة في قرية «إمام ويس» ضمن قضاء خانقين، مما أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص، وتلته مجزرة جامع «سارية» الكبير، في بعقوبة، حين فتحت القوات الأمنية والميليشيات النار بمختلف أنواع الأسلحة على آلاف المصلين لدى انتهائهم من أداء صلاة الجمعة، عندما كان الجامع من ضمن ساحات الاعتصام في المحافظات السنية، ما تسبب بقتل العشرات وإصابة المئات، بينهم عدد من قادة تنظيم الاعتصامات.