لليوم الثالث على التوالي، بقي قرار محكمة التمييز العسكريّة الذي قضى بإخلاء سبيل النائب والوزير السابق ميشال سماحة في عين الحدث، وفتح ملف القضاء، ولا سيما القضاء العسكري، على مصراعيه.. وذلك، بفعل كون هذا القرار هزّ لبنان من أقصاه إلى أقصاه، ولم تقتصر مفاعيله على المواقف أو التجمّعات أو قطع الطرقات، بل بدا المشهد (ولا يزال)، الذي شارك فيه بعض قيادات قوى 14 آذار من نواب حاليين وسابقين، أشبه باستعادة لتحركات قوى 14 آذار في الشارع، انطلاقاً من روحية «ثورة الأرز» و«انتفاضة الاستقلال» التي انطلقت في العام 2005، في حين أعرب الرئيس سعد الحريري عن الخشية من أن يكون هذا القرار «وصمة عار على جبين القضاء العسكري».
وفي السياق، يجدر التذكير بأن الفترة الممتدة ما بين 8 أغسطس 2012 و14 يناير الجاري، أي ثلاثة أعوام وستة شهور وأسبوع، هي فترة سجن سماحة، بجرم إدخال متفجرات من سوريا إلى لبنان بهدف تفجيرها في أماكن مختلفة وفي سياسيّين. وكان القرار الاتهامي طلب أقصى العقوبة له، وهي الإعدام، لينتهي الأمر بعد المحاكمة أمام المحكمة العسكرية بالسجن للمدة المنقضية. وهكذا، عاد سماحة إلى منزله، في لحظة سياسية شديدة الالتباس والحساسية تتعلق بالأزمة الرئاسية، وذلك، وبحسب أوساط قوى 14 آذار، لتمرير أمور باتت من معالم إعادة ربط لبنان بالنظام السوري، ولا سيما غداة خروج لبنان عن الإجماع العربي في القاهرة.
وفي ظلّ تصميم قوى «14 آذار» على إكمال المواجهة حتى النهاية، خصوصاً مع إعلان وزير العدل أشرف ريفي أنّه سيطلب من مجلس الوزراء إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وتزامناً مع الحراك السياسي في الشارع، والذي تخوضه هذه القوى ضدّ قرار المحكمة العسكرية بإطلاق سماحة، فإن مصادر مراقبة أجمعت لـ«البيان» على أن الحراك مرشّح لأن يتفاعل ويتسع أكثر فأكثر في قابل الأيام، وسيرسم مزيداً من الإرباكات على مجمل الوضع الداخلي، خصوصاً بعدما توغّلت الحملة المتصاعدة على القضاء العسكري نحو خطوات تنفيذية يزمع فريق 14 آذار الشروع فيها.
آراء قانونيّة
وغداة الإفراج عنه بكفالة مالية، أشار عدد من المراجع القانونيّة لـ«البيان» إلى أن سماحة لا يزال متهماً، وأن عودته إلى التوقيف تتمّ إذا تقرّر بدء محاكمته، وحتى سجنه إذا صدرت الأحكام، في حين ترك قرار إخلاء سبيله تداعيات سياسية وشعبية في ثلاث نواحٍ: الأولى، سقوط المحافظة على النصوص، إذا كان الجرم يتعلق بالأمن القومي وبأمن البلد والناس. الثانية، دعوات إلى حصر عمل القضاء العسكري بالعسكريّين وما له صلة بارتكاب الحروب. أما الناحية الثالثة، فتمثلت بمطالبة أهالي الموقوفين الإسلاميين بتسريع المحاكمات والإفراج عن الأبرياء مع تحديد كل جرم مرتكب. مع الإشارة إلى أن قرار إخلاء سماحة أثار موجة غضب داخل الجسم القضائي، وذهب البعض إلى اعتباره «فضيحة»، وسأل البعض الآخر عن غياب مجلس القضاء الأعلى عن ممارسة دوره، فيما طالب آخرون بتفتيش قضائي.
موقفان متقدّمان
وبينما كان أهالي الموقوفين الإسلاميين في سجن رومية (شرق بيروت) يطالبون بتسريع محاكمة أبنائهم، سواء أمام المحكمة العسكرية أو المجلس العدلي، طرأ على الموقف تطوّران: الأوّل يتعلّق باتجاه لدى وزير العدل بإحالة ملف سماحة إلى المجلس العدلي، على أن يقترح عرضه أمام أوّل جلسة لمجلس الوزراء تعقد ما بعد الأسبوع المقبل، باعتبار أن «ما أقدم عليه سماحة بمثابة جريمة وطنية». والتطور الثاني، ما أعلن عنه النائب خالد ضاهر من أنه سيلجأ إلى الادّعاء شخصياً على سماحة أمام محكمة مدنية، باعتبار أن مخطّطات التفجير التي كان يعدّ لها سماحة كانت تستهدفه شخصياً.
وفي المعلومات أنّ وزير العدل سيقدّم إلى مجلس الوزراء، غداً، طلباً بإحالة ملف سماحة إلى المجلس العدلي، مرفقاً بمشروع القانون الذي أعدّه، والمتعلق بإنشاء محاكم ودوائر قضائية متخصّصة تُعنى بمحاكمة جرائم الإرهاب وبعض الجرائم المهمّة، والذي ينصّ على تعديل صلاحية المحكمة العسكرية فقط ويمنع محاكمة أيّ مدني أمامها، أسوةً بالدول المتقدّمة في هذا المجال. وفي المعلومات أيضاً، أن هناك اتجاهاً داخل قوى 14 آذار إلى اعتماد مشروع ريفي وتقديمه كاقتراح قانون إلى مجلس النواب، مقترناً بتواقيع 10 نواب يمثلون مختلف الكتل النيابية لهذه القوى.
سلام: لإحقاق الحقّ
رسمياً، وعملاً بمبدأ فصل السلطات، استمع الرئيس تمام سلام من مدّعي عام التمييز القاضي سمير حمود، بصفته نائباً لرئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد الموجود خارج لبنان، واستوضح منه طبيعة القرار الذي أصدرته المحكمة العسكرية، والذي قضى بتخلية سبيل سماحة، بوصفه قراراً مبرماً لا يخضع لأي طريقة من طرق المراجعة. وفي السياق، شدّد الرئيس سلام على أن «اللبنانيين يتطلّعون إلى قضاء يعمل للحق فقط ولخدمة العدالة».
و نظراً إلى أن قرار إخلاء السبيل، أو عدمه، يدخل ضمن الصلاحيات الاستنسابية لمحكمة التمييز العسكرية، ولأن المحاكمة لم تنتهِ بعد أمام هذه المحكمة، فإن الرئيس تمام سلام طلب تسريع المحاكمة الجارية أمام المحكمة نفسها، وإصدار الحكم النهائي في دعوى ميشال سماحة، وذلك «إحقاقاً للحق وأخذاً بعين الاعتبار حساسية الملف، باعتبار أن القضية تمسّ الأمن الوطني اللبناني».
