فيما كان اللبنانيون يأملون أن تحمل السنة الجديدة معها بشائر أمل في حلحلة ملف الاستحقاق الرئاسي، بكل ما يحمله من تعقيدات و«فيتوهات» متبادلة بين القوى السياسية المتصارعة على من يكون الرئيس الآتي، فإن مطلعها حمل مؤشرات سوداء دفع بالكثيرين إلى التساؤل حول ما إذا كان الاستحقاق الرئاسي قد أصبح أسيراً لتداعيات التصعيد الحاصل بين تيّار المستقبل وحزب الله على خلفية التوتّر الإيراني السعودي إذ دخل قصر بعبدا مجدّداً في «ثلاجة» الانتظار والى أجل غير مسمّى.
وفي ظلّ التحديات الخطيرة التي تشهدها المنطقة، وعشية الجلسة الـ34 المقرّر انعقادها اليوم للانتخاب الرئاسي، شدّد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري على ضرورة «أن نسعى جميعاً إلى ما يعزّز استقرارنا ويحصّن بلدنا»، مجدّداً التأكيد على أن «هناك حاجة ملحّة لتفعيل مؤسّساتنا، من أجل متابعة قضايا الناس ومعالجتها».
وقال بري: «حتى لو كان انتخاب رئيس الجمهورية سيحصل بعد 15 يوماً مثلاً، علينا تفعيل عمل الحكومة.. فكيف إذا كان هذا الاستحقاق قد بات اليوم في الثلاجة؟».. علماً أنه، وخلال الشهر الفائت، كانت جرت محاولات ومساعٍ من أجل فصل مسار الأزمة الرئاسية- السياسية اللبنانية عن مسارات الأزمات الإقليمية، لكن المؤشرات والمواقف أوحت أن محاولة الفصل اصطدمت بعوائق وحسابات أكبر من لبنان، برغم «النوايا الحسنة» التي تجلّت في ما تمّ تسريبه عن غطاء إقليمي ما لاقتراح الرئيس سعد الحريري بترشيح النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية.
تأثير على التفاصيل
ووسط تساؤلات عن تأثير التصعيد الإقليمي على تفاصيل السياسة اللبنانية، أسفت مصادر سياسية متعدّدة لانعكاس أي موقف إقليمي على الوضع الداخلي، وتوقّعت أن تتعقّد الأمور أكثر فأكثر، على كل الأصعدة الداخلية، إن كان بالنسبة إلى تفعيل العمل الحكومي، أو حتى على موضوع رئاسة الجمهورية، وبالتحديد المبادرة الرئاسية. وذلك، لكون تصاعد التوتّر بين الرياض وطهران سيزيد الوضع الإقليمي تعقيداً ويمعِن في بقاء الأزمة اللبنانية عصيّة على الحلّ إلى أمد غير معلوم. واستطراداً، لم تخفِ المصادر خشيتها من أن يقفل التوتر السعودي– الإيراني كل الأبواب، وبإحكام، أمام إمكانية انتخاب رئيس للجمهورية في المدى المنظور. في المقابل، توقّعت مصادر معنية بالاستحقاقات الداخلية أن ينصبّ الاهتمام الداخلي، في هذه المرحلة، على مواجهة تداعيات الأزمة الإقليمية وتطوّراتها الجديدة، وتركيز الجهود على الاستمرار في الحوار بشقّيه النيابي بين قادة الكتل النيابية والثنائي بين حزب الله وتيار المستقبل، لتجنيب البلاد أيّ مضاعفات سلبية وإبقاء الوضع الداخلي جاهزاً لتلقّف أيّ إيجابيات يمكن أن تطرأ واستثمارها في الحلّ الداخلي.
موقفان متناقضان من الأزمة
وفي انتظار الحوار الذي سيعقد بنسختيه الثنائية والموسعة مطلع الأسبوع المقبل، مع إصرار الرئيس بري على استمراره «لعدم ترك الساحة عرضة للتوترات»، وفيما أكد وزير الداخلية نهاد المشنوق المضي في حركة التواصل ضمن مبادرة الرئيس سعد الحريري الرئاسية من دون توقيف المساعي، مع إشارته إلى بداية تراجع الغطاء الإقليمي للبنان، عكس كلام للرئيس تمام سلام، أول من أمس، إحباطاً غير مفاجئ، خصوصاً لجهة جلسات مجلس الوزراء، فحتى الساعة ليست هناك من مؤشرات إلى إمكان عودة قريبة لجلسات مجلس الوزراء، في وقت تنتظر النفايات آليات الترحيل.
وفي السياق، توقفت مصادر سياسية عند الموقفين المتناقضين اللذين ميّزا المشهد المحلي. الأول إعلان الوزير المشنوق أن مبادرة الرئيس الحريري لن تتوقف وأن حركته ستتواصل لإنجاحها، والثاني إعراب الرئيس سلام عن أمله بتفعيل عمل الحكومة في المرحلة المقبلة. ووفق قراءة المصادر لهذين الموقفين، يوحي الموقف الأول بأن الاستحقاق الرئاسي لم يعد بعيداً، في حين أن الموقف الثاني يؤشر إلى أن تفعيل الحكومة هو بدل عن ضائع الرئاسة الضائعة.
مواعيد
أطلّت السنة الجديدة على استحقاقات عدّة ورثتها من العام الفائت، وأبرزها: الاستحقاق الرئاسي الذي هو على موعد مع جلسة انتخاب جديدة اليوم، والتي لن تختلف عن سابقاتها بل تبدو أكثر إحباطاً بعد تراجع المبادرة الرئاسية ودخولها في ثلاجة الانتظار بفعل الاعتراض الداخلي والتوتر الإقليمي، تفعيل الحوار الوطني بين قادة الكتَل النيابية (الجلسة 13 في 11 من الجاري)، وفي الموازاة تفعيل الحوار الثنائي بين حزب الله وتيار المستقبل، تفعيل العمل الحكومي والنيابي تأسيساً على الجلستين الأخيرتين النيابية والحكومية، ملفّ قانون الانتخاب الذي قاربت مهلة الشهرين المحدّدة لإنجازه نهايتها، ترحيل النفايات إلى الخارج في ضوء قرار مجلس الوزراء الأخير في هذا الصدد، وملفّ النازحين السوريين ومواجهة الأعباء الناجمة منه، فضلاً عن مضاعفاته السياسية والأمنية على البلاد.